الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters: جريمة هزت إيطاليا: من قتل بيير باولو بازوليني؟

جريمة هزت إيطاليا: من قتل بيير باولو بازوليني؟

جريمة

في الثاني من نوفمبر عام 1975، عثر خارج روما في منطقة خربة، مليئة بالقمامة وبقايا حطام السيارات ومستودعات الغاز، على جثة الشاعر والسينمائي الشهير بيير باولو بازوليني وعليها آثار واضحة لمرور عجلات سيارة فوقها عدة مرات. وكانت الشرطة قد قبضت قبل ساعتين فقط من اكتشاف جثة بازوليني على شاب يدعى جيوسيبي بيلوسي يقود سيارة من نوع “ألفا روميو” وهي التي يمتلكها بازوليني. وأثناء استجوابه بتهمة سرقة السيارة، اعترف بيلوسي فجأة، بأنه قتل بازوليني.

قال بيلوسي في شهادته التي تطوّع بالإدلاء بها دون ضغط، إن بازوليني الذي عرف بشذوذه الجنسي، اصطاده في محطة روما للقطارات، ثم قاده بسيارته إلى خارج روما حيث حاول إرغامه على ممارسة الجنس معه فقاوم الشاب لأنه، كما قال، لم يرتح للطريقة التي أراده أن يمارس معه الجنس بها، فأخذ بازوليني يضربه بعنف في رأسه، فقاوم الشاب بأن تناول لوحة خشبية كانت ملقاة في المكان وأخذ يضرب بها بازوليني ثم قاد سيارة بازوليني الألفا روميو وهرب بها من المكان إلى أن قبضت عليه الشرطة.

صور بيلوسي الحادث إذن مستغلا عدة نقاط: الأولى أن بازوليني كان شاذا، محاولا تصويره على أنه كان أيضا متطرفا في سلوكه، الأمر الذي يجعل بيلوسي يلقى تعاطف المحققين والرأي العام المحافظ. وثانيا اعتبر الجريمة دفاعا عن النفس ضد قاتل سادي مجنون شاذ. والثالثة أنه تحت السن القانوني (خمسة عشر عاما)، وبالتالي فهو واثق من أنه لن يحاكم كمسؤول عن الجريمة بل سيلقى عقابا مخففا للغاية.

ومن الوهلة الأولى كان واضحا أن قصة بيلوسي محكمة البناء، وبالتالي ليس من الضروري أن تكون حقيقية. وقد تشكك فيها المحقق الذي عيّن في البداية للتحقيق في القضية وظل في ما بعد على اعتقاده الراسخ بأن بيلوسي لم يكن وحده وإنما اشترك معه آخرون ربما كانوا مأجورين لحساب الجهات الأعلى التي كان من مصلحتها التخلص من بازوليني.

وأصبح السؤال الكبير منذ تلك الحادثة البشعة: من الذي قتل بازوليني؟

هذا السؤال تناوله المخرج الإيطالي مارك توليو جيوردانا في واحد من أشهر وأفضل الأفلام التي تناولت جريمة قتل بازوليني وهو فيلم “بازوليني: جريمة إيطالية” (1995)، دون أن يسعى إلى تقديم إجابة واضحة عليه تقطع بهوية القاتل، ولكنه يركز على تصوير السيناريوهات الأخرى المحتملة لعملية “اغتيال” بازوليني في ضوء الظروف السياسية الخاصة بالوضع الإيطالي في تلك الفترة.

كانت إيطاليا في منتصف السبعينات مستقطبة بين اليمين واليمين الفاشي، واليسار الاشتراكي والفوضوي. وكانت تعاني من الإضرابات والمظاهرات وعمليات الانتفاض على الأوضاع المتردية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وكان الحزب الديمقراطي المسيحي ينفرد وحده بالسلطة لمدة ثلاثين عاما، وكانت قوى خارجية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة تبذل كل ما تستطيع كي لا يصل اليسار إلى السلطة في وقت حقق فيه اليسار نفوذا بارزا في الشارع السياسي.

بازوليني لم يكن مجرد فنان له شطحاته وخيالاته الجنسية الخاصة، بل كان في الحقيقة أحد كبار الفنانين الذين تركوا تأثيرا لا يمحى على جوهر الثقافة الإيطالية

وكان مسلسل الفضائح السياسية متواليا، والانحدار متواصلا من مجتمع التعددية السياسية والفكرية إلى مجتمع الحزب الواحد الذي يخضع من جهة لنفوذ قوة عظمى تنشر قواعدها العسكرية في إيطاليا، ومن جهة أخرى للمافيا التي ظلت دائما المؤسسة السياسية البديلة في المجتمع الإيطالي.

وكان بازوليني علما فكريا من أعلام اليسار الفكري، ورمزا لروح الانتفاض على الواقع، ثقافيا وسياسيا. ولم يكفّ بازوليني لحظة عن التعرض بالنقد للمؤسسة كأعنف ما يكون النقد. ويكفي أن نطالع آخر ما كتبه بازوليني قبل أسبوع واحد من موته:

“التفاهة، وازدراء الشعب، والتلاعب بالمال العام، والصفقات غير المشروعة مع شركات النفط والبنوك ورجال الصناعة، والتستّر على المافيا، والخيانة العظمى لحساب دولة خارجية، والتعاون مع المخابرات المركزية الأميركية، والاستخدام غير المشروع للمؤسسات، والمسؤولية عن الانفجارات التي وقعت في ميلانو وبروسيا وبولونيا (أو على الأقل بالنسبة إلى التستر على المسؤولين المباشرين عنها)، وتدمير البيئة.. والمسؤولية عن الأوضاع المخيفة للمدارس والمستشفيات وكل مؤسسة عامة في الدولة، وعن الهجرة الوحشية للمزارعين، وعن الانفجار ‘الوحشي’ لوسائل الإعلام، وعن البلادة الإجرامية للتلفزيون…”.

وعندما تلقى الرأي العام الإيطالي نبأ مقتل بازوليني قامت الدنيا ولم تقعد. فقد كان بازوليني علما من أعلام الثقافة الإيطالية المعاصرة وشاهدا عظيما على أحداث عصره، ورائدا من رواد تحرير الشعر وتطوير اللغة الإيطالية، كما كان سينمائيا عظيم الشأن، وكان ينشر أفكاره الجريئة التي تسبب إزعاجا شديدا للمؤسسات السياسية بما في ذلك الحزب الشيوعي الإيطالي الذي طرد.

وقد ظلت الصحافة الإيطالية لفترة طويلة، تسلّط أضواء كثيرة على “الحياة الجنسية” لبازوليني، وتتخذها مادة للإثارة ولتأليب الرأي العام عليه، رغم أن بازوليني لم يكن مجرد فنان له شطحاته وخيالاته الجنسية الخاصة، بل كان في الحقيقة أحد كبار الفنانين الذين تركوا تأثيرا لا يمحى على جوهر الثقافة الإيطالية.

وكانت متاعب بازوليني قد بدأت منذ مرحلة مبكرة في حياته عندما كان لا يزال يعيش في القرية التي ولد فيها مع والديه، فقد كان أبوه مدمنا للخمر، شديد الغيرة على زوجته، يشرب يوميا ويضرب زوجته بانتظام. وعندما أكمل بازوليني دراسته العليا التحق بالعمل كمدرس في مدرسة القرية، لكنه اتهم بارتكاب الفاحشة مع ثلاثة من التلاميذ ففقد وظيفته وهو في السابعة والعشرين من عمره، وبعد أيام طرد من الحزب الشيوعي بسبب ما زعموه عن “تفاهة أفكاره سياسيا وأخلاقيا”. ورغم أن الشرطة أسقطت التهمة عنه بعد ذلك إلا أنه غادر القرية مع أمه في نفس العام، أي 1949 إلى روما.

وفي روما كتب بازوليني خمسين كتابا وأخرج عشرين فيلما روائيا طويلا، وتراوحت كتبه بين الشعر والرواية والقصة القصيرة والنقد، كما كتب المئات من المقالات للصحافة في شتى المواضيع، من الأزياء إلى علم اللغة إلى السياسة، وكان بازوليني أيضا رساما ومخرجا مسرحيا.

 لكن عمله السينمائي أثار ضده كما حدث بالنسبة إلى شعره، غضب أوساط كثيرة، فتعرض للمحاكمات وللسجن ومصادرة الأفلام كما حدث مع أفلامه “نظرية” و”حظيرة الخنازير” و”حكايات كانتربري”. لكنه كان يدافع عن نفسه ويتخذ من محاكماته فرصة للترافع لصالح حرية التعبير الفني في إيطاليا. ونجح في جميع الحالات في إسقاط التهم الموجهة إليه، مواصلا العمل إلى آخر لحظة في حياته، فقد قُتل قبل أن ينتهي من إتمام المونتاج لفيلمه الأخير الذي كرسه لفضح الأساليب السادية الوحشية للفاشيين، في وقت تعززت فيه قوتهم في الساحة السياسية الإيطالية مجددا، وهو آخر أفلامه “سالو” أو “150 يوما في حياة سادوم”.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا