الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters: الرقص الشرقي.. فن لا يجيد الدفاع عن نفسه

الرقص الشرقي.. فن لا يجيد الدفاع عن نفسه

الرقص

ليس هناك من فن تعرض أصحابه -أو صاحباته على وجه التحديد- إلى شتى ضروب التناقض في العالم العربي، بين مطلق الرفض والاستهجان من جهة، ومطلق الإقبال والاحتفاء من جهة ثانية، كما هو حال الرقص الشرقي بمفهومه التقليدي السائد.

الانفتاح على أجناس الرقص التعبيري الأخرى عبر المعاهد والأكاديميات الفنية، لم يستطع أن يكسر تلك النظرة النمطية المتعلقة بالرقص الشرقي لدى عامة الناس. وظل الناس يفصلون إلى حد بعيد بين أنماط في معظمها غربية ذات جمهور نخبوي محدود وبين الرقص الشرقي الذي يكتسي طابعا شعبيا كثيرا ما تلتقي عنده العامة والخاصة، وتمّحى فيه الفوارق الثقافية والاجتماعية.

التناقض يضرب عميقا في مفهوم “الراقصة الشرقية” من حيث النظرة والتقبل والتصنيف الفني، وصل إلى حدّ التسمية اللفظية، إذ حاولت العامة أن تفصل بين “الراقصة” و”الرقّاصة” في مفاضلة فنية بين الأولى والثانية، لكنها في الغالب ما زالت تصر على أن كل من ترتدي تلك البدلة الكاشفة للصدر والساقين، وتهز الخصر والبطن على إيقاع الطبل تصنف في خانة واحدة، سواء كانت في عرس أو مسرح أو ملهى.. وسواء تخرجت من أكاديمية فنية أو تعلمت “الصنعة” من “الأبلة فلانة” كما كان يشاع في الأوساط الشعبية المصرية.

لا يمكن أن ننكر بأن الرجل الشرقي، وفي ثقافته الحداثية، يقبل أن تتعلم ابنته الباليه وشتى أنواع الرقص التعبيري المعاصر، لكنه يتردد غالبا ويرفض أن تتعلم الرقص الشرقي الذي لا يصنفه في خانة الفن أصلا.

ثياب الباليه ليست أكثر “احتشاما” في نظر الرجل الشرقي، من فستان الرقص الشرقي، لكن في هذا الأمر نظرة أخرى لا يمكن إزاحتها من رأسه بسهولة، وهي أن الرقص الشرقي قد ارتبط بحالة من المجون والابتذال، وكذلك السوقية التي سوقتها السينما التجارية ومن ثم تلقفتها الكباريهات الرخيصة والمرابع الليلية.

لماذا حُكم على الرقص الشرقي بأن يكون في هذه الدائرة بينما كسرت فنون شعبية أخرى في العالم طوق المحلية والنظرة الدونية واكتسحت مسارح العالم مثل الفلامنكو الإسباني والصامبا البرازيلية والسالسا الأرجنتينية وباقي الرقصات الهندية والأفريقية وغيرها؟

الأمر إذن لا يتعلق بجرأة في اللباس، ولا بضعف في الأداء الفني بل بالإيحاء وطرق الاستقبال والتلقي لدى جمهور الرقص الشرقي الذي حاول المروجون له أن يسجنوه ضمن خطاب غريزي أحادي الجانب كما يرى بعض الدارسين.

المسألة لا تعدو أن تكون ثقافية بحتة، وتتعلق بالذائقة والجمهور المتلقي، وطرق التسويق لهذا الفن الذي يمكن أن يكون سمة ثقافية ومنتجا سياحيا بالمفهوم الأرقى للكلمة كما هو الحال في كازينو “المولان روج” في باريس على سبيل المثال.

إن السياح الوافدين إلى شارع “بيغال” في باريس أو شارع “لارمبلا” في برشلونة يدركون حتما أنهم سيتفرجون على رقص استعراضي آسر، تماما كما كان الأمر في “شارع محمد علي” بالقاهرة في المنتصف الأول من القرن الماضي.. فما الذي قد تغير؟

لماذا حافظت مرابع الرقص الغربي في أوروبا وأميركا اللاتينية وغيرها على كل فنون الفرجة الفنية، بينما تراجعت مسارح الرقص الشرقي عن رقي ما كانت تقدمه وأصبحت في غالبيتها محلات ذكورية يقصدها صنف من الساهرين الباحثين عن مجرد التسلية وتمضية الليل.

لا شك أن للتيار المتشدد دورا كبيرا في الترويج إلى أن الراقصة والعازف والمغني وصاحب المسرح والقادم للتفرج، جميعهم في النار، وينبغي محاربتهم عن بكرة أبيهم.

لم يكتف السلفيون والمتشددون بإقناع الكثير من هؤلاء بضرورة الاعتزال، بل جمعوا من الراقصات السابقات في المساجد والزوايا داعيات، ونجح هؤلاء في تحقيق مراميهم أمام هشاشة قناعاتهم بما يفعلونه من جهة، وعبر قوتي الإغراء المالي والتهديد بالقتل من جهة ثانية.

الفكر الجهادي مبني على احتكار كل متع الحياة وجمالياتها لنفسه تحت ذرائع لاهوتية مزيفة تزعم فهم التدين. ومن هذا المنطلق يتطاول السلفيون على الرقص الشرقي، بدليل أن الكثير منهم يطلب من “زوجاته” أن يصطحبن بدلات رقص شرقي، بغية أن يستمتع هو وحده بالرقص الذي لا يرى فيه إلا محرضا لغرائز الدنيا.

الفكر الجهادي مبني على احتكار كل متع الحياة وجمالياتها لنفسه تحت ذرائع لاهوتية مزيفة تزعم فهم التدين

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا