الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters: ياسمين الرشيدي تكتب رواية الأسئلة المفتوحة والانتظار

ياسمين الرشيدي تكتب رواية الأسئلة المفتوحة والانتظار

ياسمين

الرواية العربية المكتوبة بلغة أجنبية ظاهرة لافتة تستوجب التوقف عندها؛ حيث لم يعد الأمر مُقتصرا على العرب المقيمين في بلاد الغرب، بل انتشرت الظاهرة في كتابات عرب مُقيمين في داخل أوطانهم. الانحياز إلى لغة أخرى غير اللغة الأم، راجع أولا لموجات الهجرة المتدافعة إلى الغرب، وثانيًا كنتاج لثمار التوسع في التعليم الأجنبي، فالنظام الأجنبي لم يصنع حاجزا لطلابه بسبب اللغة فقط، وإنما أيضا صنع غربة داخلية داخل الوطن.

قد يختلف الأمر قليلا في مؤلفة هذه الرواية التي بين أيدينا “حدث ذات صيف في القاهرة” فالكاتبة ياسمين الرشيدي، على الرغم من أنها كتبت الرواية باللغة الإنكليزية عن القاهرة وما حلّ بها من متغيرات على مدار أنظمة مختلفة. إلا أنها لا تأتي مثل نوستالجيا للمكان، بقدر ما هي رثاء لما حلّ. فالرَّاوِيَة متعايشة مع واقع القاهرة، والمتغيرات التي حلّت بالمكان، إلى حدّ التماهي. هذا التماهي جعلها تقدّم صورة محايدة عمّا حلّ بالقاهرة طيلة ثلاثين عاما من الأحداث، التي كان لها انعكاسها على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو ما اكتملت ذروته بخروج الشعب في يناير 2011 مناديًّا بالعيش والحرية والكرامة.

الرواية صادرة عن دار الشروق المصرية وبترجمة أحمد شافعي في 145 صفحة، تتوزّع أحداث الرواية التي تقطع فترة زمنية طويلة نسبيا في ثلاثة أجزاء. كل جزء من الرواية يأخذ تاريخا معيّنا. الجزء الأول بعنوان “صيف 1984 – القاهرة”، والجزء الثاني بعنوان “صيف 1998 – القاهرة”، والجزء الثالث بعنوان “صيف 2014 – القاهرة”.

الشخصيات المنشطرة

لا تأتي هذه التواريخ عشوائية، بل هي مقصودة، وموظَّفة جيّدًا داخل بنية الرواية. فكل تاريخ يأتي لحدث مُهم تتغافله الكاتبة عن عمد في بداية السّرد، وإن كان أثره واضحا، فتبدأ روايتها بعام 1984 ولكن في الحقيقة ثمّة حدث جوهري، هو اغتيال السادات الذي اتّهم فيه أحد أقارب العائلة، بتأثيره الفادح عليهم، وهو تاريخ سابق لهذا التاريخ، وبالمثل تسجل على الجزء الثاني تاريخ 1998، وهو يتحدث عن تأثير مجزرة الأقصر التي وقعت في عام 1997، نفس الشيء في الجزء الثالث تقفز إلى 2014، متغافلة عن عمد أهم عامين 2011 حيث الثورة، و2013 الذي تم فيه خلع مرسي. هكذا تعطي الرَّاوِيَة لنفسها مساحة زمانيّة بعيدة عن الحدث الأصلي، كي تتأمّل في تَروّ مُجريات هذه الحوادث، وتأثيراتها التي شملت أبطال الرواية، وكذلك الواقع المحيط.

شخصيات الرواية قليلة نسبيًّا. فالرواية تدور في فلك عائلة البطلة، الأم والأب والعم وديدو. فالأب يختفي منذ بداية الرواية، وتبدأ الرَّاوِيَة في استحضاره عبر تيمة الافتقاد، ولا يظهر إلّا في نهاية الجزء الثالث، والأم القلقة دوما، والتي لا تجيد إلّا التحدّث بالفرنسيّة، تنعكس عليها تطورات الواقع السياسيّ، حتى تصل إلى مرحلة استسلام في النهاية، وتواكب الحراك حولها، بعد أن كانت ناقمة على عبدالناصر وثورته، لأنه شتّت عائلة أصدقائها القدامى.

أهم الشخصيات في الرواية على الإطلاق، هي شخصية داوود أو ديدو، ليس لأفكاره الثورية وفقط، أو حتى في كونه المرشد والمُعلّم للبطلة

 تنتهي بها الرواية، وقد صارت مُدوِّنَة على تويتر، تَرضى بما كانت ترفضه من قبل، وهو ما ينعكس على قرارها الأخير بشأن البيت، الذي قضت فيه عمرها. ثم تأتي شخصيّة العم، وهو مهندس معماري ومصمّم بيوت، كان ناقما على كل شيء بدءًا من أخيه الذي يرى أن غروره كان سببا لما انتهى إليه، وعلى عبدالناصر الذي يراه الرجل “الذي صبّ خرسانة مُسلّحة في حقل أزهار، ثمّ انتظر هو والآخرون أن تتفتح الأزهار”. فعبدالناصر في نظره “مجرد أفكار فاشلة” ثم نقمته الأشدّ على تغيير العَلَمِ.

 أما البطلة فهي مجهولة الاسم، تتلقى تعليما صارما سواء على مستوى البيت من خلال تعليمات الأم الأرستقراطيّة، وكذلك على مستوى المدرسة الإنكليزية، التي تتلقى فيها تعليما صارما، فتارة تُعاقبها المدرسة على التأخير، وتارة أخرى على نطقها كلمة بالعربية، ومع هذه التنشئة التي تعزلها عمّا حولها، لديها نزوع إنساني، فتتعامل مع الآخرين دون طبقيّة، بدءًا من علاقتها بالطّباخ عبده الأسمر. ورغبتها في التواصل مع الطبقات الكادحة أثناء مرور السيّارة، رغم نهر الأم لها، ويظهر في تعاطفها مع الباعة الجائلين والشرطة تطاردهم بضراوة.

أهم الشخصيات في الرواية على الإطلاق، هي شخصية داوود أو ديدو، ليس لأفكاره الثورية وفقط، أو حتى في كونه المرشد والمُعلّم للبطلة في الكثير من أفكارها، بتحريضه لها دومًا على التحرُّك والمشاهدة والتدوين. ديدو هو أكبر أبناء عمّها، وأحبهم إلى قلبها، كان شيوعيًّا، حادًّا في ثوريته، يُعلّق على رقبته عقدا يتدلَّى منه رمز شيوعي، يقول عن نفسه “إن السياسية هي حياته”، ويدفعها لأن تكون مثله دوما يدفعها إلى التفكير في ما حولها.

ومع هذه الأفكار الثورية، إلا أنّه يُحبط في ثوريته وما آمن به بعدما تفشل الثورة، وينتهي به الحال سجينا “وراء القضبان هزيلاً رثَّ الثياب”، وهي صورة على قتامتها إلا أنها كانت تعبيرا عن الخذلان، الذي شعر به جيله كله، الذي آمن بالتغيير فانتهوا إلى مثل هذه النهاية. العمُّ هو النقيض التام لشخصية ديدو، فهو ناقم لكن دون فعل. ينتظر التغيير دون أن يشارك في صُنعه، لدرجة أنه ظلّ أعزب طوال حياته مُنتظرا طلاق حبيبته من زوجها. أما ديدو فكان ساعيًّا للتغيير، بالأفكار الثورية التي كان يَحْملها، ويدافع عنها حتى أنه عوقب بسببها. ومع إن ما نادى به لم يحدث على مستوى الواقع السياسي، لكن حدث على مستوى شخصية الرَّاوِيَة، حيث حرّضها على العمل والكتابة. أما الأب فمع غيابه بالسجن، إلا أن تاريخه حاضر مع سرد ابنته، التي تصنع له تاريخا موازيًّا يُقاوم الغياب الجسدي، فتحكي عن طَوْر شبابه، عندما كان يريد أن يدرسَ السينما، ولكن الأب يريده أن يدرس التجارة أو الحقوق، وعن نشاطه السياسي قبل أن يصبح رجلَ أعمال لديه مصنع.

يأتي حضور الشخصيات في النص عبر وعي الرَّاوِيَة القريبة من هذه الشخصيات، فتسرد عنهم وإن كانت تضع مسافة سردية، تجعل السرد حياديًّا مع أنه سرد شخصي. كما ثمة مراوحة بين الحضور والغياب، فالأب غائب أو رَحَلَ إلا أنه حاضر تستدعيه البنت في كل مواقفه صراعه مع أمها على المال، أو حول عبدالناصر، أو في مواقف معها، ويحضر أكثر وهي مع ديدو، فهما يشتركان في حبّ عبدالناصر، كما يحضر في المواقف الصغيرة عندما تطلب من ديدو أن يصطحبها إلى العبد تتذكّر موقف أبيها في مثل هذا الموقف، نفس الشيء يتكرّر وهي تستدعي رحلة بورسعيد لجلب التفاح الذي تأخذه إلى المدرسة. ومع عودته الحقيقة قرب نهاية الرواية إلا أنه يصير في حكم الغائب.

الأسئلة المفتوحة

تحية للثورة المغدورة
تحية للثورة المغدورة

تضع الرَّاوِيَة القارئ في داخل النص، لا بوصفه مرويًّا عليه، وإنما بوصفه مُشاركًا يتممُّ ثغراث الإغفال التي تكرّرت في أكثر من موضع في النص، فيطرح على نفسه أسئلة من قبيل لماذا؟ وأين؟ وكيف؟ فالكاتبة غير مَعنية بتفسير أحداثها، وإنما تضع القارئ في معيّة الأحداث وتتركُ له التفسير المُناسب، كأن تغفل أسباب اختفاء الأب الذي يستمر قرابة الثلاثين عاما، ثم يعود في نهاية الجزء الثالث، دون أن تقدّم لنا سببا لعدم عودته إلى بيته، وإنما عاد إلى بيت إخوته البنات، وقبلها تتركنا السّاردة في حَيْرة لأمر هذا الاختفاء دون سبب لهذا الاختفاء أو لماذا سُجن، تاركة أسئلة كثيرة مفتوحة هل كان سجنه سياسيًّا أم له علاقة بمقتل السادات؟ أم كما يقول هو بسبب صراعه على البزنس مع “ولاد الريس”؟ وبالمثل أمر عودته التي تأتي كأنها حدث عادي حيث تقوله الأم بفتور “بابا رجع”، ثم تنصرّف لمتابعة أحداث برامج التوك، أو موقف البنت نفسها التي كبرت، وتقبّلت الموقف دون اعتراض أو حتى تساؤل بينها وبين نفسها.

فكرة ترك الأسئلة بلا إجابات، هي عادة اكتسبتها من الأم منذ أن كان مصطفى البواب يذهب ويحضر الفينو ويحتفظ لنفسه برغيفين، كانت ترغب في أن تسأل لماذا يحتفظ بهما؟ وبالمثل تود أن تسأل عن أشياء كثيرة، لكن كانت “ماما لا تحب أن أطرح الكثير من الأسئلة” على حدّ قولها.

ترصد الرَّوِاية تفاصيل الكثير من الوقائع والأحداث المفصليّة، التي حدثتْ في مصر إبّان تاريخ عريض وممتد لا يقتصر فقط على التواريخ المعنونة بها الأجزاء، وإنما ثمة مراوحات بين أزمنة قديمة، سابقة لبداية الأحداث، فتعود إلى تاريخ مصر قبل الثورة، وتسرد عن ثورتي 1919 و1952. وانتفاضة الخبز، وحادثة مقتل السادات وتولّي مبارك الحكم، والأحداث الإرهابية التي حدثت في الأقصر، ووقائع سفينة كوين بوت، واعتصام الجامعة الأميركية الشهير، ومحاولة اغتيال مبارك، ومشروع توشكى، وزواج جمال مبارك، وصولا إلى ثورة 2011، ومنها إلى خلع مرسي.

كما ترصد للتطوّرات والتغيُّرات التي حلّت بالمكان والشخصيات، سواء التي أعقبت ثورة ناصر حيث نزعت ملكية الفيلات، وتحول بعضها إلى مدارس، وأيضا التغيرات في بنية المكان، وقد حلت تطورات سياسة الانفتاح “حيث التوسع في بناء العمارات، والناس يبنون في كل مكان”، وانعكاسات هذا على الحياة بصفة عامة، فانتشرت الجمعيات الاستهلاكية، وازداد الغلاء، وانتشار الرشوة مقابل تأدية خدمات معيّنة. ثم الطفرة التي حدثت في التسعينات من القرن الماضي، حيث التوسّع في شركات المحمول. توازي الراوية بين التغيرات التي تحدث في مصر، وما يحدث على مستوى بيت العائلة، فمجد البيت آخذ في الانحصار، فقد خسروا السائق لأنهم رفضوا زيادة راتبه، وقبلها خسروا الجميع ولم يبق في البيت إلا الأم وابنتها. ومع هذه التغيّرات المتلاحقة إلا أن الأم بقيت “متشبِّثة بقوة في دنياها” حتى تستلم في النهاية وتقرر المغادرة، في إشارة إلى تفكك النفوذ والجمود، وهو ما توازى مع أحداث ما بعد الثورة.

وتفكك الهيمنة نراه بصورة واضحة، في حالة التصالح التي ظهرت بها الأم التي كانت تُحذِّر ابنتها من الردّ على مَن يلقي السّلام، وتحذيرها من الحجاب إلى قبولها الحجاب، لدرجة أنه “لم يعد يخيف أحدًا”.

أهمّ سمة لأبطال هذه الرواية أنهم كانوا ينتظرون أو في حالة إرجاء، لكن -مع الأسف- لم يكن ثمة جدوى من الانتظار، فمات العم دون أن تُطلّق حبيبته، وظل ديدو يحلم بالتغيير ولم يأتِ، وما أن جاءت الثورة سرُقت، وصار مصير الحالم بها السجن.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا