الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters: غاسل صحون طموح

غاسل صحون طموح

غاسل

قبل أكثر من عشر سنوات، وفي مطعم هولندي صغير اسمه “أونكل جين” كان هناك فتى يافع لا يتجاوز الـ15 سنة من العمر، كان يتخذ مكانا قصيّا كي يتابع إحدى مباريات البطولات الأوروبية. كان يحلم بأن يصل يوما إلى مكانة نجوم وأساطير كرة القدم، كان يمنّي النفس بأن يصير مثل قدوته رونالدينيو، ويغدو مهاجما يشار إليه بالبنان.

هذا الفتى يا سادة كان يغسل الصحون في مطعم “أونكل جين”. كان يقضي أكثر من خمس ساعات على امتداد يومين كل أسبوع في هذا المطعم أمله أن يجمع بعض النقود التي تساعده على الذهاب إلى مقر تدريباته في مدينة بريدا. فهذا الفتى الشغوف بكرة القدم كان من عائلة متواضعة لأب هولندي وأم سورينامية. لم يعشق في حياته أكثر من كرة القدم، ولم يحلم قط بأكثر من التألق في هذه اللعبة.

مرت السنوات وانقضت بسرعة، كبر خلالها هذا الفتى الحالم وكبرت معه أحلامه ولم ينته أبدا عشقه لكرة القدم أو ولعه بأن يصبح لاعبا مشهورا يصفق له الجميع. لقد خطط وثابر وكافح وصبر ثم نال مراده.

لعب القدر دوره في مسيرة هذا اللاعب الصغير المجهول. لقد أظهر براعة فائقة وعبقرية مدهشة. راقبته أعين الكشافين وأبعدته موهبته عن مطعمه الصغير في مدينة بريدا الصغيرة. واليوم بعد أكثر من عشر سنوات هو يقارع أعتى الخصوم وينافس في أقوى البطولات ويراهن على كسب أقوى الألقاب ويجاور أبرز النجوم في العالم.

أتدرون من هو هذا الفتى اليافع؟ هو إحدى أهم ركائز ليفربول، وهو من سيقود المنتخب الهولندي لنهضة شاملة جديدة. هو لم يصبح مهاجما مثلما حلم من قبل، بل بات من أبرز المدافعين في العالم إن لم نقل أفضلهم حاليا، هو فيرجيل فان ديك قائد دفاع ليفربول الإنكليزي.

قصة مطعم “أونكل جين” لم تنته أبدا. ففيرجيل لم ينس حضنه القديم. لم يتجاهل بدايته وانطلاقة أحلامه، قبل أكثر من عام وتحديدا في بداية موسم 2017ـ 2018، رنّ هاتف المطعم.. ألو من المتصل؟ أنا فيرجيل أقرئكم السلام وأزف لكم بشرى الانتقال إلى ليفربول أيّها الأصدقاء.

هكذا كانت المكالمة بين فان ديك وأصدقائه القدامى، فهو لم ينس للحظة ذلك المكان وأولئك الأقران والخلان، لقد عاش معهم وبينهم كل الأحلام الجميلة التي غدت واقعا أجمل وأكثر بهاء.

لقد استذكرت هذه القصة منذ أيام، تحديدا في مباراة دوري الأبطال بين بايرن ميونيخ الألماني وليفربول الإنكليزي. في تلك المباراة، كان فيرجيل قائدا رائعا، كان صمام الأمام وصخرة الدفاع التي تصطدم بها كل هجومات الفريق البافاري، كان بحق مدافعا رائعا واستثنائيا ونجما فوق الجميع.

تلك المباراة ربما تلخص ولو في بعض جزئياتها مراحل تطور حياة “غاسل الصحون”. فالكاريزما والشخصية المؤثرة وروح المثابرة كلها ميزات توفرت لدى فان ديك في تلك المباراة، كلها ميزات طبعت مسيرته الطريفة والاستثنائية ثم نجاحه المبهر والمتواصل إلى اليوم مع ليفربول.

فان ديك الذي حلم بأن يكون مهاجما بارعا في هولندا غزا أوروبا وهو على صهوة حصان في مرتبة المدافع. لقد تلقفته أعين الكشّافين، وتحديدا عندما كان يلعب في مركز مهاجم مع نادي غرونينغن، حينها قدم أحد مدربي نادي سلتيك الاسكتلندي، تابعه عن كثب وأعجب أيّما إعجاب بقدرات هذا الفتى الجامح.

تحادث معه وقال له إنه يصلح أن يكون مدافعا. أكد له أنه سيكون الأفضل في العالم قريبا، فتح له الباب للانتقال إلى الفريق الاسكتلندي.

بدأت التجربة مع سلتيك، كانت موفقة للغاية لتقوده إلى عالم الدوري الإنكليزي الممتاز وتحديدا إلى نادي ساوثهامبتون، حينها فقط أدرك أن أحلام الصبا بدأت تتحقق. لقد أصبح ينافس كبار النجوم في هذا الدوري القوي. لقد برع في خطته الجديدة وأيقن أنه ولد كي يكون مدافعا أصيلا.

محطة ساوثهامبتون كانت حاسمة بكل المقاييس. لقد أثبت فان ديك أنه بارع في أداء كل مهامه الدفاعية، لكن الأكثر من ذلك أن شغفه الطفولي بأن يكون يوما ما مهاجما، جعله مدافعا برتبة هدّاف، لذلك كانت أهدافه غزيرة وحضوره دائم التوهج، فجلب اهتمام الأندية الكبرى إليه.

لقد رغبت أندية مانشستر سيتي وتشيلسي وليفربول في التعاقد معه مهما كانت قيمة الصفقة، ليعود الكسب في الأخير لـ”الريدز″ الذي كان مستعدا كي يجعله أغلى مدافع في العالم، وهو ما حصل.

لتبدأ رحلة المجد، بدأت كأفضل ما يكون، ففيرجيل قضى بعد قدومه إلى ليفربول على كل المشاكل الدفاعية، وفي موسمه الأول قاد الفريق للوصول إلى المباراة النهائية لدوري الأبطال، وساعده كي ينافس بكل قوة على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز.

لم تنته القصة يا سادة، فـ”غاسل الصحون” الهولندي، كلف بمهمة “غسل” آثار السقطات الأخيرة لمنتخب بلاده، لقد تم تكليفه كي يكون القائد الجديد لمنتخب “الطواحين” بعد اعتزال أغلب رموز الجيل القديم، وكل المؤشرات التي قدمها فان ديك طيلة المباريات الدولية الأخيرة كانت واعدة للغاية، بل استثنائية.

أما عن التجربة الإنكليزية، فالسماء لوحدها كفيلة بأن تتحمل كبر أحلام فتى مطعم “أونكل جين”، فطموح فيرجيل ربما لن ينتهي إلاّ بعد التتويج بلقب الدوري ورفع التاج الأوروبي في موسم استثنائي جعله حاليا الأفضل في مركزه في العالم.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا