الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
طالبه الملك فيصل بالاعتذار وغادر غاضبا.. معروف الرصافي الشاعر الثائرAlgerian Reporters:طالبه الملك فيصل بالاعتذار وغادر غاضبا.. معروف الرصافي الشاعر الثائر

طالبه الملك فيصل بالاعتذار وغادر غاضبا.. معروف الرصافي الشاعر الثائر

طالبه

"أيها الإنجليز، لن نتناسى بغيكم في منازل الفلوجة ذاك بغي لن يفيد انتقاما – وهو مُغر بالساكنين علوجه". بهذه الأبيات عبّر الشاعر العراقي معروف الرصافي عام 1941 عن غضبه من الاحتلال البريطاني الذي كان يحاول اقتحام الفلوجة عنوة وإطفاء شعلة المقاومة فيها آنذاك، وفقا لمؤرخين ومراجع أدبية.

معروف الرصافي الذي تحل ذكرى وفاته هذه الأيام، شاعر وأديب ومدرس ذو مواقف ثورية، ومعروف بسطوة شعره ضد السلطة. ولد في بغداد عام 1875 في فترة الحكم العثماني، وهو من أب ذي أصل كردي، وأم ذات أصل تركماني، لكنه نشأ وعاش ومات في بغداد، ووصفه الكثير من الباحثين الذين كتبوا عنه ودرسوا شعره بأنه ذو حس عروبي، وله مآثر في ذلك؛ في شعره ومواقفه السياسية.

كنيته "الرصافي"
اسمه الكامل هو معروف بن عبد الغني بن محمود الجباري، درس في ما سمي قديما الكتاتيب، ثم المدرسة العسكرية الابتدائية، لكنه تركها واتجه إلى المدارس الدينية، وتتلمذ على كبار شيوخ الدين والعلم في بغداد. وبقي لنحو 12 عاما ملازما للشيخ العلامة محمود شكري الآلوسي، وهو أديب ومؤرخ عراقي ومن أبرز علماء أهل السنة في العراق، وقتها أسماه الشيخ الآلوسي معروف الرصافي، مثل الشيخ العالم معروف الكرخي، وهو من علماء أهل السنة البارزين ومن أهم المفكرين، وتوفي في بغداد عام 815 ميلادية، وذلك لعلمه ونباهته، وليكون في الصلاح والشهرة مثل "الكرخي"، أما أصل الكلمة "الرصافي" فهي دالة على أن الشخص من منطقة الرصافة، وهي الجزء الشرقي من بغداد، ويسمى الجزء الغربي منها الكرخ، ويفصلهما نهر دجلة.

تمثال معروف الرصافي وسط العاصمة بغداد (الجزيرة)

التعليم والتنقل
بعد الأعوام الـ12 مع الشيخ الآلوسي، تخرج الرصافي مرتديا العمامة وزي العلماء آنذاك، ليبدأ رحلة كثيرة التنقلات والرحلات، وعُين معلما في مدارس الراشدية في شمال الأعظمية (وسط بغداد)، ثم مدرسا للأدب العربي في الإعدادية ببغداد عام 1902، وبقي هناك حتى عام 1908، ليغادر بغداد ويتوجه إلى إسطنبول في رحلة لم تكن موفقة بالنسبة له، وعاد الرصافي لمدينته مدرسا للغة العربية في الكلية الشاهانية ومحررا صحفيا في جريدة الرشاد عام 1909، لينتخب بعدها مرتين عضوا في مجلس المبعوثين بين عامي 1912 و1914، حتى انتقل إلى القدس عام 1920، ليعين مدرسا هناك في دار المعلمين لنحو عام قبل عودته إلى بغداد، ثم الانتقال إلى الأستانة عام 1922، ثم عاد بعد نحو عام إلى بغداد ليعمل في جريدة الأمل، تلا ذلك بعام انتخابه في دمشق عضوا في مجمع اللغة العربية.

وفي عام 1924، عيّن مفتشا في مديرية المعارف في بغداد، قبل أن يعين بعد نحو ثلاث سنوات مدرسا بدار المعلمين العالية في العاصمة العراقية.

شعر الرصافي
للرصافي دواوين شعرية وقصائد بارزة، وصدر له أول ديوان عام 1910م، ومن أبرز الدواوين "ديوان الرصافي"، الذي احتوى على 11 بابا في الكون والاجتماع والفلسفة والدين والحرب والوصف والرثاء والتأريخ وعالم المرأة والسياسة ومقتطفات شعرية أخرى، كما تميز شعره -حسب باحثين وشعراء وكثير ممكن كتبوا عنه الدراسات النقدية والشعرية- بالرصانة والفصاحة والأسلوب اللغوي المتين، وقال في عظمة الله شعرا كثيرا، ومنها مقتطف من إحدى القصائد:

انظر لتلك الشجرة – ذات الغصون النضرة
كيف نمت من حبة – وكيف صارت شجرة
أبحث وقل من ذا الذي – يخرج منها الثمرة
وانظر إلى الشمس التي – جذوتها مستعرة
فيها ضياء وبها – حرارتها منتشرة
من ذا الذي أوجدها – في الجو مثل الشررة
ذاك هو الله الذي – أنعمه منهمرة

وعن الفقر كتب الرصافي شعرا، ومنه له علاقة بموقف صادف فيه الشاعر امرأة فقيرة وابنتها اليتيمة، وفق المؤرخين، وكان جزءا من القصيدة كالتالي:

لقيتها يا ليتني ما كنت ألقاها – تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها
أثوابها رثة والرجل حافية – والدمع تذرفه في الخد عيناها
بكت من الفقر فاحمرت مدامعها – وأصفر كالورس من جوع محياها
مات الذي كان يحميها ويسعدها – فالدهر من بعده بالفقر أنساها

مواقف سياسية
للشاعر معروف الرصافي -كما يشير المؤرخون والدراسات التي تخصصت في حياته وشعره- مواقف سياسية عديدة، منها ما هو ضد الاحتلال البريطاني، وبعد ثورة 1920، وضد طريقة تشكيل الدولة واختيار الدستور وتعيين الملك فيصل الأول ملكا للعراق، حيث كان يرى الرصافي أنها إجراءات اتخذت بطريقة شكلية وغير حقيقة، وفي محتواها الكثير مما لا يناسب العراقيين ومصيرهم، ورأى في الدستور وثيقة جديدة للانتداب البريطاني للعراق، وأن البرلمان كان مزيفا برعاية الاحتلال، حسب وجهة نظره.

الرصافي عرف عنه حدته في آرائه السياسية وانتقاده السلطة الحاكمة وقتها بشكل لاذع، ودخوله المحظورات السياسية وقتها، حتى وصفه البعض "بالمنفلت" في الرأي أحيانا.

ومما كتبه في قصيدته عن تلك المرحلة:
علم ودستور ومجلس أمة ... كل عن المعنى الصحيح محرف
أسماء ليس لنا سوى ألفاظها ... أما معانيها فليست تعرف
من يقرأ الدستور يعلم أنه ... وفقا لصك الانتداب مصنف

وكان يدعو للثورات الاقتصادية والسياسية والعلم وتغيير المجتمع نحو رفاهية وحداثة وتطور أكثر بالعلم والاقتصاد، ومنح الحريات من أجل الوصول إلى الرخاء والاستقرار. ويقول بعض المؤرخين إن الرصافي عندما كتب إحدى القصائد التي انتقدت الملك فيصل الأول والبلاط الملكي، طلب منه الملك الحضور وعاتبه، لكن الرصافي لم يعتذر عما كتب بل غادر غاضبا من البلاط.

الخصومة الشعرية
في كثير من الأحيان يكون عادة هناك شخصان مقترنان أو يمتلكان الموهبة، في مجالات عدة، ومنها الشعر، يكون المجتمع ويغذي العداء بينهما، ويدفع بالحطب في هذه النار، ولأسباب عديدة قد يطول شرحها. 

الرصافي كان نده المقابل في وقتها الشاعر جميل صدقي الزهاوي، وهو من جانب الكرخ من بغداد، وتقول بعض المصادر إن الزهاوي هو من بدأ هذا الخصام مع الرصافي، لتنشأ بينهما معارك شعرية أدبية على مدى سنوات طويلة، ونشر الكثير من هذه القصائد التي كان سببها الخصومة وترجمت إلى عراك أدبي ولغوي في الصحف والمجالس الأدبية وللعامة، حتى وصل بهما الحد إلى المقاطعة، ولم يتحدثا لسنوات، ثم تصالحا عام 1908، لكن هذا الصلح انفض تدريجيا بين عامي 1921 و1923 وحتى 1928 وفقا لبعض الباحثين، وانضم للشاعرين كل على حدة عدد من الشعراء في معسكرهما الشعري للتراشق بالأبيات والمقولات، إضافة إلى المقالات الصحفية؛ لتكون بعدها أقرب إلى الهدنة، ورغم ذلك لم يتوقف تلامذة الرصافي والزهاوي عن التراشق حتى انقسم أدباء وشعراء العراق إلى شطرين: أحدهما مع الرصافي والآخر مع الزهاوي، هذه المعارك الشعرية استمرت حتى خفت حدتها قبل عام 1936 بقليل، وهو العام الذي توفي فيه الشاعر جميل صدقي الزهاوي، ليذهب الرصافي إلى قبره باكيا وبشكل مرير، وفق مصادر ومؤرخين.

وفاة الشاعر
استمر الرصافي بحياته الشعرية والأدبية ومواقفه السياسية المثيرة للجدل حتى بضع سنوات قبل وفاته، وقيل إنه اعتزل الحياة العامة، وتوفي في منزلة ببغداد عام 1945 ، وبني له تمثال من البرونز عام 1970.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا