الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters: "المستوى 16" دراما سيكولوجية عن فتيات مسحوقات الإرادة

"المستوى 16" دراما سيكولوجية عن فتيات مسحوقات الإرادة

"المستوى

في سينما الخيال العلمي يشكل عنصر الزمن ركنا حاسما في تحديد مسار الدراما الفيلمية، إذ تنحو بعض الأفلام في معالجتها الدرامية وبنائها السردي منحى المسار المستقبلي، فتذهب بنا بعيدا إلى أزمنة مستقبلية تقع فيها تحولات حاسمة في حياة البشر، فيما يقع العكس لدى معالجة الأحداث التي وقعت في الماضي.

تنبئنا مقدمات الكثير من أفلام الخيال العلمي بأننا سنشاهد أحداثا وقعت في المستقبل، ويتم غالبا تحديد التاريخ الذي تقع فيه الأحداث وكذلك لدى العودة إلى الماضي.

هذا الترسيخ الزمني صار مدخلا أساسيا ولا غنى عنه يتيح لكاتب السيناريو وتاليا للمخرج أن ينسجا الأحداث ويرسما مسار الشخصيات ويبنياها دراميا وفق تلك المعطيات، وبما تنطوي عليه من جمالية خاصة ترتبط بكل زمن من الأزمنة، وسوف يترتب على ذلك أيضا بناء المكان الذي تقع فيه الأحداث، وبالتالي يستجمع المخرج أدواته الفنية في إنتاج صورة سينمائية غزيرة المعاني.

وفق هذه المعطيات يُقرأ نقديا فيلم “المستوى 16″ للمخرجة الكندية دانيشكا إيسترهازي، وهي نفسها كاتبة السيناريو. هذا الفيلم سوف يفترق بشكل تام عما سقناه عن عامل الزمن، لأنه ببساطة عمد إلى إخفاء زمن الأحداث مع أننا نستطيع الاستنتاج من خلال أجهزة الاتصال أنه زمن متطور، لكنه ديستوبي يتم فيه جمع فتيات تحت ظروف لا نعرفها ولا يتحدث عنها الفيلم ولا يعرضها، فتيات منذ الطفولة في موقع معزول عن العالم الخارجي.

وستحضر هنا صور تلك المعسكرات الجماعية لدى الأنظمة الشمولية التي يتم فيها سحق الإرادة البشرية الفردية وتغليب إرادة السلطة أو القوة المتحكمة، وهي هنا قوة قاهرة تجبر الفتيات على نظام شبه عسكري ينتظمن فيه على شكل جماعات بزي موحد وقصّات شعر متشابهة، يرافق ذلك عجز عن التعبير عن الذات وخوف مرضي من العقاب. ومع تتابع الأحداث نكتشف أن الفتيات يعشن على أمل كاذب ومخادع؛ أمل أنهن عندما يصلن إلى المرحلة، أو المستوى 16 سيتم لم شملهن مع عائلات تتبناهن.

محمية ذليلة معزولة عن العالم الخارجي
محمية ذليلة معزولة عن العالم الخارجي

محمية غرائبية، تم تصميمها مكانيا بما يشبه أقبية التحشيد وغسل الأدمغة في الحقبة النازية، وهنا يوجد الدكتور ميرو (الممثل بيتر أوتربريدج) الذي يجري تجاربه الفظيعة في استئصال الوجوه الشابة وبيعها لعجائز ينشدن العودة بوجوه يافعة، تشاركه صديقته الشقراء الآنسة بريكسل (الممثلة سارا كانينك) في بيع تلك الوجوه وتنظيم الصفقات، فضلا عن الإشراف اليومي الصارم والعنيف على حياة الفتيات.

فتيات من أعراق مختلفة يجتمعن تحت ذلك الإحساس بالذل، هنا يتحول الإذلال اليومي إلى كأس على جميع الفتيات أن يشربن منها بعد ابتلاع حبة فيتامين هي في الأصل حبة منوّمة لكي يتسلل الحرس فيتحسسون أجساد الفتيات شبه المخدّرات.

هذا العالم الديستوبي تتلاشى فيه الخصوصية ويتداخل فيه المكان الشخصي مع المكان العام، إذ أن كل شيء يخضع لمراقبة الكاميرات، ولهذا تتنقل الفتيات في أجزاء مكانية رمادية وأسوار وبوابات يشبه بعضها بعضا، أما المكان الخارجي فهو المكان الخارج عن الإرادة والمسموم والقاتل، هكذا تم تلقين الفتيات منذ الصغر، ولهذا لا يعرفن عن الخارج شيئا ولا يصل إليهن ضوء الشمس.

متعة الإذلال تنعكس على تقسيم المكان؛ فهنالك الثواب والعقاب، كأن تتأخر فيفيان (الممثلة كاتي دوكلاس) في ابتلاع الحبّة اليومية الإجبارية، فتتم معاقبتها بنقلها إلى العالم السفلي، مثل ما يقع في الأساطير القديمة، وهناك يجري حبس المخطئات ونبذهن.

وجوه يافعة للبيع لمن يدفع أكثر
وجوه يافعة للبيع لمن يدفع أكثر

ولنبحث في تلك التراجيديا القاتمة عن طبيعة العلاقات بين الشخصيات، التي تم نحتها ببراعة حتى أنك تشعر بالعوالم المتنافرة التي تعيش فيها الفتيات في ما يشبه الضياع أو العماء الكلي، فلا تعنى إحداهن بالأخرى، والتفاعل بينهن ينقطع حتى أن رصيد المفردات شحيح والهذر واللغو معدومان حتى تكتشف صوفيا (الممثلة سيلينا مارتن) حقيقة أن الفتيات كنّ مدمنات على الحبوب المنومة بلا إرادة منهن، حيث تم خداعهن بأخذ الفيتامينات بينما يفتح ذلك الباب للتحرش الجنسي من قبل الحراس.

هذه الحبكات الثانية التي تم رسمها ببراعة هي التي أحدثت التحول الدرامي الحاسم في الفيلم من خلال اكتشاف فيفيان وصوفيا الحقيقة وقرارهما الهرب وما يتبع ذلك من نجاحهما في احتجاز بريكسل واكتشاف أنها هي الأخرى تحمل وجها ليس وجهها، ثم إشعال انتفاضة داخل المبنى بتحرير الفتيات من الأسر والموت الذي ينتظرهن.

تقابلت في الفليم ثلاث بنى سردية أساسية، تمثلت الأولى في تلك التي أطرت الفتيات، حيث أنهن يعشن زمنهن الخاص الذي يدور دورة روتينية لا يقطعها فعل أو رد فعل حاسم، بل يسود الخضوع والطاعة التامة، والسردية الثانية تمثلت في ما يجمع الدكتور ميرو وصديقته، وهي سردية مغلقة وسرية، تكشف عنها المخرجة- كاتبة السيناريو ضمن نسقية بثّ المعلومات للمشاهد فيما الشخصيات الأخرى تجهل حقيقة ما يجري. وأما السردية الثالثة -وهي العلامة الفارقة والمميزة في الفيلم- فهي التي أطرت فيفيان وصوفيا -وهما عنصرا الفيلم الأساسيان- اللتين أدتا دوريهما ببراعة ملفتة للنظر حقا.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا