الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters:الرباط القديمة.. متحف مفتوح ينبعث من رماد التاريخ

الرباط القديمة.. متحف مفتوح ينبعث من رماد التاريخ

الرباط

سناء القويطي-الرباط

يقف زوار "السويقة" بالمدينة القديمة للرباط مندهشين أمام التغييرات التي شهدتها الآونة الأخيرة، إذ تفنن حرفيون وصناع مغاربة في زخرفة ونقش الأسقف الخشبية والأبواب، وترصيف الأرضية يدويا مما أضفى على المكان سحرا خاصا وجاذبية لا تقاوم.

وتحول هذا السوق حيث يعرض التجار بضائعهم من قطع زاهية الألوان وحلي فضية وذهبية ومنتجات جلدية وخشبية وملابس تقليدية، إلى متحف فني مفتوح أمام الزوار من السكان المحليين والأجانب.

وليس هذا الفضاء التجاري وحده الذي استعاد رونقه، بل كذلك كل أزقة المدينة القديمة التجارية والسكنية وبناياتها المتهالكة، ضمن أكبر عملية ترميم وإصلاح شهدتها بهدف تحسين الاستقطاب الاقتصادي والسياحي في واحد من أهم المعالم السياحية بالعاصمة. 

باب لعلو أحد أبواب الرباط الثمانية يستعيد رونقه بعد عمليات الترميم (الجزيرة)

وتندرج عمليات الترميم والتأهيل في إطار مشروع الرباط عاصمة الأنوار الذي انطلق قبل أربع سنوات، ويهدف إلى الحفاظ على الطراز المعماري الأصيل للرباط التي تم تصنيفها سنة 2012 تراثا إنسانيا عالميا من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والفنون "يونسكو". 

وترك العمال والحرفيون بصماتهم في كل شبر مروا منه، من صومعة حسان إلى قصبتي الأوداية وشالة مرورا بالأسوار التاريخية والأبواب الثمانية الضخمة إلى الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة، وبيوتها وفنادقها ومساجدها وزواياها الآيلة للسقوط، فاستعادت كل هذه الأماكن وهجها وسحرها وجلالها، لتذكر المارين بالأجداد الذين مروا من هناك وتركوا آثارهم العظيمة والرفيعة، آملين ألا يدخر الأحفاد جهدا في حفظها وصيانتها من أي انتهاك وتدمير.

قام بعمليات الترميم حرفيون ماهرون من أجل إحياء روح المدينة العتيقة (الجزيرة)

روح وجوهر
داخل دكانه بالمدينة القديمة للرباط، ينهمك محمد رياض صاحب محل لبيع النعال التقليدية وأمين التجار في "سوق الصباط" في عرض مميزات وجودة صنع بلغة تقليدية لأحد زبائنه، بينما لا تتوقف الحركة في السوق حيث يختلط السكان المحليون بالسياح كل ووجهته ومبتغاه.

يقول رياض للجزيرة نت إن التجار أغلقوا محلاتهم لمدة 55 يوما تم خلالها إصلاح المحلات وتركيب أسقف خشبية وأبواب للدكاكين وتبليط الأرضية.

ويضيف أن الجميع انبهر بالعمل الذي قام به حرفيون ماهرون من أجل إحياء روح المدينة العتيقة وإظهار جوهرها باعتبارها واجهة للصناعة التقليدية، موضحا أن الإعجاب والانبهار يظهر جليا على وجوه الزائرين الذي يحرصون على التقاط صور السوق في حلته الجديدة.

عمليات الترميم انطلقت منذ عام 2014 وما زالت مستمرة (الجزيرة)

ويؤكد أمين التجار ضرورة صيانة المكان للحفاظ عليه من أيدي العابثين ومن عوامل القدم، ويرى أن هذه الروح الأصيلة ينبغي أن تظل حية بتظافر جهود السلطات والتجار وأيضا السكان.

وانطلقت أعمال الترميم والتأهيل منذ عام 2014 وما زالت متواصلة، وتهدف إلى تثمين هذا الفضاء التراثي والحفاظ على طرازه المعماري ضمن برنامج تأهيل المدينة العتيقة للرباط الذي تطلب استثمارات بقيمة 625 مليون درهم (حوالي 65 مليون دولار) تحت إشراف ملكي وبتنسيق بين عدد من الجهات الحكومية والمؤسسات العمومية.

هذا البرنامج جزء من مشروع وطني يسعى للحفاظ على المدن العتيقة في الرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس والصويرة وسلا وتطوان، وخصصت له ميزانية تجاوزت أربعة مليارات درهم (حوالي أربعمئة مليون دولار).

مشروع وطني يسعى للحفاظ على المدن القديمة (الجزيرة)

حية ومتفاعلة
في البداية كانت حصنا أسسه الموحدون أواسط القرن 12 وأطلقوا عليه رباط الفتح، واكتمل بناء المدينة في عهد السلطان أبي يوسف المنصور، يحيطها سور يتجاوز طوله ألفي متر وعلوه عشرة أمتار، تتخلله أبواب ضخمة (الرواح، لعلو، الحد، زعير).

هذه المدينة المحصنة المطلة على الأطلسي صارت في القرن 17 محضنا للأندلسيين الفارين من محاكم التفتيش، سكنوها وعمروها وشيدوا أحياء سكنية ومرافق متعددة، وبنوا السور الأندلسي، ثم ما لبثوا أن وحدوا عدوتي الرباط وسلا وأقاموا دولتهم الخاصة التي حملت اسم "دولة أبي رقراق" ومنها خاضوا الجهاد البحري ضد السفن الأوروبية فزرعوا الرعب في البحار.

ولا تزال المدينة القديمة للرباط تحمل رائحة ماضيها الحافل بالأحداث، وتأخذ الزائر عبر أزقتها الضيقة وبيوتها القديمة إلى حقب تاريخية قديمة تعاقب خلالها دول وسلاطين، ورحل الجميع وبقيت صامدة تتحدى متمسكة بروحها في كل شبر وجزء منها.

سوق الصباط أحد أشهر الأزقة بالمدينة القديمة بعد عمليات الإصلاح والترميم (الجزيرة)

وبحسب الباحث في تاريخ الرباط هشام لحرش، فإن لهذه المدينة العتيقة خصوصية، فهي حية ومتفاعلة مع محيطها بخلاف المدن التاريخية في بعض الدول التي تحولت إلى ما يشبه متحف مفتوح لا حياة فيه، وما يميز المدن العتيقة بالمغرب أنها مسكونة وتعرف أحياؤها كثافة سكانية لافتة.

ويضيف أن أعمال الترميم التي شهدتها مختلف المرافق ستسهم في إعادة الاعتبار للمدينة التاريخية للرباط بوصفها تراثا إنسانيا عالميا، والتحدي اليوم -بحسب ما يقول- ليس الاستثمار في الحجر فقط، بل أيضا البشر، وذلك بإحياء دور المدينة العتيقة العلمي والثقافي وتعريف ساكنيه بالتراث الذي يعيشون ضمنه وإشراكهم بالمحافظة عليه.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا