الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
معالجة سينمائية لموضوع التراث والأسطورة الدينية Algerian Reporters: معالجة سينمائية لموضوع التراث والأسطورة الدينية

معالجة سينمائية لموضوع التراث والأسطورة الدينية

معالجة

افتتح الفيلم المغربي “سيدي المجهول”، أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج علاء الدين الجم، تظاهرة “أسبوع النقاد” في مهرجان كان السينمائي المقام حاليا والتي تنظمها الجمعية الفرنسية للصحافيين ونقاد السينما، في حضور مخرجه وفريق العاملين والممثلين الرئيسيين.

 كان (فرنسا) – لا شك أننا أمام فيلم يمتلك مخرجه الكثير من الطموح، مع لمسات فنية عالية في الصورة توفرت بفضل الإنتاج المشترك والتمويل المتعدد الجهات، ومع ذلك يعاني فيلم “سيدي المجهول” لمخرجه المغربي علاء الدين الجم من بعض الهنات التي كان يمكن التغلب عليها، ومعظمها تتركز أساسا في السيناريو والمونتاج، والكثير منها يمكن اعتباره أخطاء البدايات.

الموضوع سبق تناوله في أفلام أخرى مغربية وغير مغربية، وهو علاقة الناس في مجتمع متخلف معزول عن الحضارة الحديثة بشكل ما، بالتراث وبالأسطورة الدينية التي يخلقها الناس والتي تطغى على الواقع وتطمسه لحساب تمجيد الخرافة.

سخرية وعبث

تظاهرة "أسبوع النقاد" في مهرجان كان السينمائي الـ72 تنفتح على الفيلم المغربي "سيدي المجهول"
تظاهرة "أسبوع النقاد" في مهرجان كان السينمائي الـ72 تنفتح على الفيلم المغربي "سيدي المجهول"

هذا الفيلم الذي عرض ضمن تظاهرة “أسبوع النقاد” بمهرجان كان السينمائي الحالي يغلب عليه الطابع الكوميدي الساخر، ويميل إلى تصوير الكثير من المفارقات العبثية التي تحيط بحياة مجموعة بشرية تعيش على الأسطورة التي خلقتها، ولكن من دون أن تتعيّش عليها.

وبينما هجر سكان القرية الأرض وأهملوا زراعتها من أجل التفرغ للدوران في محيط ضريح الشيخ أو الولي المجهول، وفي حين لا نرى الكثير من الغرباء يترددون على المكان أو يتبرعون بالمال الوفير من أجل نيل البركات مثلا، لا نعرف بالضبط كيف يعيش أهل القرية المعزولة التي تقع في بقعة نائية جدباء في الصحراء المغربية.

ويبدأ الفيلم بشاب ملتحٍ هو “اللص”، والمفارقة أن الغالبية العظمى من الرجال في هذا الفيلم يطلقون لحاهم ويطيلون شعورهم مثله تماما، لكن مع التباين في السحن والأشكال التي تبدو في معظمها كاريكاتيرية تشعر بأنها ربما تكون قد خرجت لتوها من أحد أفلام الكارتون.

“اللص” يتجه إلى تلك البقعة الصحراوية التي ستصبح مسرحا لأحداث الفيلم، يصعد إلى ربوة جبلية مرتفعة حيث يدفن حقيبة كان يحملها معه من الواضح أنها مملوءة بالمال الذي سرقه، وهو يحفر في التربة ويدفنها حيث الموقع كما لو كان مدفنا لشخص ما.

وفي نفس اللقطة وقبل أن يبتعد اللص سرعان ما تعلو أصوات آلات التنبيه في عدد من سيارات الشرطة التي تحيط به ويتم اعتقاله، دون أن نعرف كيف ظهرت هذه السيارات بهذه السرعة ولا كيف عرفت بمكانه ولا كيف تجاهل رجال الشرطة استعادة الغنيمة المنهوبة؟ فكل هذه التفاصيل لا أهمية لها في سيناريو الفيلم الذي كتبه المخرج الشاب نفسه والذي يقوم على قدر لا بأس به من التجريد والقفز فوق الواقعية.

وفي المشهد التالي نفهم أن اللص قد خرج من السجن وذهب إلى المكان الذي دفن فيه غنيمته لكي يكتشف أن الموقع تحوّل إلى ضريح بناه الناس فوق المدفن، وأطلقوا عليه “ضريح سيدي المجهول” (هناك مشكلة في كتابة اللغة العربية في هذا الفيلم كما في الكثير من الأفلام المغاربية عموما، فقد كُتب اسم الفيلم بالعربية على الشريط “سيد لمجهول”- مع غياب الألف واستخدام كلمة سيد كما لو كانت اسم شخص ما بينما المقصود هو “سيدي” والعبارة كلها لا معنى لها لمن يعرف اللغة العربية السليمة، والمشكلة أن صناع الأفلام لا يسألون من يعرفون وهم كثر في بلادهم، في حين بدا العنوان الفرنسي للفيلم أكثر دقة واتساقا مع الثقافة الغربية وهو “معجزة القديس المجهول”).

المخ والعضلات

المخرج المغربي الشاب علاء الدين الجم قدم في أولى أفلامه الروائية الطويلة قدرا لا بأس به من التجريد والقفز فوق الواقعية
المخرج المغربي الشاب علاء الدين الجم قدم في أولى أفلامه الروائية الطويلة قدرا لا بأس به من التجريد والقفز فوق الواقعية

يستعين اللص بزميل له يقول له ويكرر كثيرا إنه هو الجسد، أي “العضلات”، بينما هو، أي اللص “المخ”، أي العقل الذي يخطط وأن عليه بالتالي أن يستجيب لتعليماته من دون تردد أو اجتهادات من جانبه.

ويتشاور الاثنان في كيفية استعادة الكنز المدفون، ويرى اللص أنه لا مناص من حفر القبر الكائن داخل الضريح لاستخراج الحقيبة، ولكن ليلة بعد أخرى يتم تأجيل العملية لسبب أو لآخر.

ويتفرع الفيلم إلى شخصيات أخرى كثيرة منها شخصية حارس الضريح المتطوع الذي يعتبر الكلب الذي يستعين به لمقاومة لصوص الضريح (لا نعرف ماذا سيسرقون بالضبط باستثناء حفنة من العملات الصغيرة التي يلقيها الزوار في وعاء كبير مليء بالماء يتبرك به المرضى!)، لكن الحارس الذي يبدو شديد الإخلاص في ممارسة عمله، يبدو كما لو كان يقوم بمهمة مقدسة.

وعندما يدهس مساعد اللص بسيارته الكلب بغرض التخلص منه لكي لا يعيق العملية التي يعتزم الاثنان القيام بها لاستخلاص المال المسروق، لا يموت الكلب بل يفقد معظم أسنانه، ويكاد الحارس يفقد عقله حزنا على الكلب، لكنه يحمله ويذهب به إلى حلاق القرية التي من الواضح أنها أقيمت على مقربة من الضريح، لكي يصنع الحلاق للكلب أسنانا بديلة، لكن الحلاق الذي يعمل في علاج وتركيب الأسنان يقول إنه لا يتعامل سوى بالأسنان الذهبية فقط، وهو ما يتفقان عليه.

موفدا من وزارة الصحة يصل طبيب شاب إلى العمل في الوحدة الصغيرة في القرية، حيث يجد ممرضا عجوزا منحني الظهر، يخفي أنه هو الذي كان وراء إشاعة أسطورة الولي الذي يتبرك به أهل القرية بغرض التغلب على الملل جراء الحياة الساكنة الجافة في تلك المنطقة.

ويتردد على عيادة الطبيب نساء عجائز لا لسبب سوى للتسرية عن أنفسهنّ، ويقول الممرض للطبيب إنهنّ يحضرن للتسرية عن أنفسهنّ فقط، وإن الوحدة الصحية والحمام الشعبي، هما وسيلتا التسلية المتاحة في القرية، أما عندما يمرضن فعلا فيذهبن إلى الضريح للتبرك بمائه “المقدس”.

في انتظار المطر

هناك أيضا المزارع إبراهيم الذي ينتظر المطر الذي لا يأتي أبدا، منذ سنوات يترقب أي بادرة تنم عن تغير في الطقس تنذر بهطول المطر، يريد أن يروي أرضه الجافة، يتهم الضريح بأنه السبب في هجر الفلاحين الزراعة، ويريد تحطيم الضريح، وعندما يفشل يصاب بالمرض ويجن ثم يموت كمدا، وتتحقق معجزة هطول المطر بعد موته، فيطلقوا الأهالي على الضريح ضريح “سيدي إبراهيم”.

أما اللص فعندما يحزم أمره أخيرا ويهم باقتحام الضريح لاستخراج المال، يقوم شقيق إبراهيم بتفجير الضريح للقضاء على الأسطورة.. لكن المفاجأة تكون في انتظاره.

هذا البناء المتشعب الخيوط يمنح الفيلم الكثير من التعرجات التي تبتعد عن حبكة يمكن أن تتصاعد، كما يسهب السيناريو في السرد بحيث يهبط الإيقاع كثيرا وتكثر التفاصيل التي لا تفيد الفيلم كثيرا وتتكرر مشاهد زائدة في دكان الحلاق مثلا مع الكثير من الثرثرة، ولا ينقذ الفيلم سوى طرافة الحوار في بعض المقاطع، وغرابة تصرفات الشخصيات إلى جانب غرابة المكان، وجمال الصورة مع اهتمام واضح بالتكوين، خاصة في استخدام اللقطات البعيدة العامة التي تمنح شعورا بالفضاء والصمت والعزلة، مع براعة اختيار مواقع التصوير الخارجي.

ورغم ذلك يعاني الفيلم من عيوب واضحة في تنفيذ بعض المشاهد مثل مشهد تفجير الضريح، فبينما يوحي الحفر واستخراج الحقيبة المدفونة في النهاية بأن مبنى الضريح الصغير الذي يفترض أن الدفينة موجودة في داخله (وكان اللص يحاول دائما اقتحامه عن طريق تحطيم بابه) قد أزيل بالكامل بفعل الانفجار، إلاّ أننا نرى في لقطات تالية بقايا المبنى قائمة والنيران ما زالت تشتعل فيها، وهي لقطة تتكرر مرات عدة فتربك المشاهد بسبب مخالفتها للتتابع المنطقي المفترض.

وهناك أيضا ارتباك بصري في تصوير موقع الضريح، فبينما نراه في البداية وعلى مدار الفيلم يقع في أعلى الربوة الجبلية التي يصعدون إليها بواسطة سلم صخري، نرى الضريح في النهاية على أرض مسطحة تسير إليها السيارة بكل بساطة.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا