الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters: شعر الأداء في العراق غربي المرجعية ولغته قاصرة

شعر الأداء في العراق غربي المرجعية ولغته قاصرة

شعر

عبود الجابري، شاعر عراقي مغترب مقيم في آنٍ، يتوكأ على عماه وينزف قصائد بركانية حارقة. لا يناسبه السكون ولا الترف، ولذلك يبحث دائمًا عن حياةٍ أكثر بؤسًا، ولا يتوقع أن تصير الكلماتُ ضحكاتٍ. التقت “العرب” الجابري، صاحب “فهرس الأخطاء” و”متحف النوم” و”فكرة اليد الواحدة” و”تلوين الأعداء” في فضفضة حميمة حول تجربته الشعرية وبكائيات الحروب والحروف، وواقع المشهد الشعري الراهن، وقضايا متعلقة.

للشاعر عبود الجابري، المقيم في عمّان بالأردن منذ عام 1993، حضور رصين في الحركة الشعرية الحديثة في العالم العربي، فهو من الأسماء الفاعلة المجددة في تجربة قصيدة النثر، وعبرت قصيدته الحدود بترجمات عدة إلى الإنكليزية والإسبانية والتركية والفارسية.

تنهل قصيدته من رافد محوري اسمه الألم العراقي، المنفتح على الوجع العربي، وعلى الهم الإنساني العام، ومثل شعره النائي عن القصديّة الذهنية والاحتشاد المسبق، فإن الحديث مع عبود الجابري يبدأ من تلقاء ذاته.

البلاد البعيدة

ليس بوسع الشاعر عبود الجابري أن يقفز بمظلّة تضمن له هبوطًا آمنًا ليقول كلّ شيء هنا، فالمسافة بعيدة جدًّا بين ما يأخذه الشعر إليه في الوقت الحاضر، وما شهدته عيناه، وإن تعيّن عليه البحث عن استهلال، فإنه عليه أن يبدأ من هناك، من البلاد التي يولد المرء فيها إما قتيلاً أو شاعرًا.

يقول الجابري في حديثه إلى “العرب” “وُلدتُ شاعرًا قتيلًا، أو قتيلًا شاعرًا، والصفتان كلتاهما جديرتان بدمع وفير على الإنسان أن يغدقه في لياليه وهو يبحث عما يجمّل البشاعة في حياته وحياة أقرانه”.

الحقيقة التي كتمها الجابري في إهابه، أنه كان يرغب في أن يكون مغنيًّا، لفرط ما كان للأغاني من أثر في حياته، لاسيما حين كان يرافق إخوته إلى العمل طفلًا يطيّر ترانيمه في صمت الشوارع التي تحتفل بهجعة الناس واخضرار الصدى، غير أن اللّغة وإغواءها ومعلّم العربية الذي شرح أن صوت الباب عند العوام هو صرير بينما يصفه الشعراء على أنّه “أنين مفاصل الباب”، والشعر الذي كان يتناثر في شوارع النجف، كل ذلك أفضى به إلى أن يغض الطرف عن حنجرته، ويعتني بالحروب التي خاضها العراق.

جعلته هذه الملابسات بين حرب وحرب يجلس ويتأمل حياته، باحثًا عما بقي حيًّا في جيوبه من الكلام الذي زعم لوهلة أنّه شعر، وصدق مزاعمه حين وجد بعضًا منه في جيوب الآخرين، ويقول “ما زلت ماضيًا في تصديق تلك المزاعم، رغم ما تسببه لي من ندم على ما اقترفته بحق نفسي من أذى”.

يرى عبود الجابري أنه من المحزن جدًّا أن يقترف الشاعر القصيدة، ويؤمن بها خلاصًا، ثم يجد الجنان جميعها خلوًا من الشعراء، بدءًا من جنّة أفلاطون، وصولاً إلى جنّة الله، وعلى الرغم من ذلك كانت مقولة روبرت فروست “إن لم تكن في البيت ‘الكناية‘ فلست بمأمن في أي مكان آخر” تمنحه دفقًا زائدًا ليمضي، ولكن هناك ما يخدش هذه البهجة دائمًا.

عن هذه المنغّصات والموجعات يقول الجابري “ما زال غبار الحروب عالقًا في ثياب قصائدنا، أضيف إليه غبار أشقائنا الذين اشتعلت النار في منازلهم، فأذكت ما كان خامدًا في أرواحنا، كل تلك النيران كانت أكبر من سعي الشعر ليكون بمستوى ما يحدث، فأنا ممن يعتقدون بشكل جازم أن القصيدة لا يمكنها أن تسيل دمًا، مثلما أنها لا يمكنها أن تغيّر مسار رصاصة، وليس ما فعلناه إزاء ما حدث في بلادنا والعالم العربي سوى غناء في العتمة”.

مواساة الناجين

من مؤلفات عبود الجابري

راح الرجل ورفاقه يغنّون لأنفسهم، أو بشكل أدق، كانوا يواسون الناجين من المحرقة، ويستطرد “كان عليّ أن أمنح ما كتبناه ثوبًا من النبل، هي محاولات لتذكّر ما هو جميل أو هجاء ما هو قبيح وبشع، كوسيلة لرد الاعتبار لذواتنا.

وكما يقول شلي “الشعراء هم مشرعو العالم المغيبون”، في صياغة جديدة لعبارة الشاعر جورج أوبين الذي قال “الشعراء هم مشرعو العالم المغيّب”، وهاتان العبارتان تبرزان رثاء مرًّا لخيبة الشعر في مقاومة أدوات القتل والدمار التي تتجوّل في بساتين أيامنا.

لا يرغب الجابري في أن يقوم الشعراء بوضع قوانين العالم وأعرافه، لأنهم على أبعد تقدير سيسيئون التصرف في الشؤون العامة، فالشعر مهمته أن يسند المملكة الداخلية، مملكة الجمال، لكي ينعش الأمل، وبطريقة بليغة عرف الشعر على أنه العنف الداخلي الذي يحمينا من العنف الخارجي، إنّه الخيال الذي يقاوم قسوة الواقع، ويبدو في المحصلة أننا بحاجة إلى وسيلة لحماية ذواتنا، ودون شّك فإن ذلك هو سبب صياغة الشعر وصدى كلماته التي تعيننا على أن نعيش حياتنا.

وهنا يستدعي مقولة جي باري “الشعر هو اللغة التي تلائم خبراتنا”، كتعريف ينطبق على ما مرت به الأمّة التي ليس لها سوى ذاكرة تعجّ بالدم والغبار، فليس للشعر وظيفة سوى الإصغاء للصمت الذي تتعذر على غير الشعراء ممارسته، وقد كتب أودن في رثاء ييتس “الشعر لم يفعل شيئًا على الإطلاق”.

إلى ذلك الحد؟ أجل، فلم يغير من اقتصاد السوق، ولم يقنع الطغاة بالعدل، كذلك فإنه لم يستطع تحريض الطبقات الدنيا على النزول إلى الشوارع احتجاجًا على حرب أو التماسًا للعدالة الاقتصادية. إنه يعمل بطريقة أكثر هدوءًا، معيدًا تشكيل الفراغ الداخلي لدى القارئ، ويضيف قدرًا من الرقة على أفكاره، ويبالغ في تعقيد العالم بين يديه.

في حديثه إلى “العرب”، يشير الشاعر عبود الجابري إلى أن المنافي تضع المبدع على مفترق طرق في الكتابة الشعرية، ويتحدّث هنا عن شعراء العراق حصرًا، فمنهم من ذوت قصيدته امتثالاً للاسترخاء الذي أسبغته المدن الباردة على حروفه، فصارت قصائده باهتة لا يستطيع التغني بها من هم في أتون البلاد، ومنهم من بقيت رائحة البلاد عالقة بثيابه، فاشتعل حنينه أكثر، وأثارت الهدأة جميع التفاصيل في ذاكرته، الأمر الذي أفضى بقصيدته إلى أن تكون شبيهة بالمراثي.

طريق شائك

يرى الشاعر عبود الجابري أن قصيدة النثر العراقية تسلك طريقًا شائكًا، فهناك من الشعراء من يحلّق بها إلى سماوات مضيئة، أولئك الذين يسمو بقصائدهم خزينهم المعرفي وخبراتهم الحياتية، ومنهم أسماء بدأت الكتابة بعد عام 2003 وأصدرت دواوين شعرية لافتة، وقامت بتعزيز فكرة الريادة التي أنكرها البعض على العراق في مجال قصيدة النثر، قبل أن يستولي عليها التاريخ الذي أوغل في تمجيد شعراء مجلة “شعر” وسواها في تلك الفترة التي انشغلت بأسماء دون سواها بالنظر إلى ما هو أمامهم دون التلفت يميناً أو يسارًا لوصف المشهد بطريقة منصفة.

ويوضح الجابري أنه ليس من مؤيدي الجماعات الشعرية أو البيانات الشعرية، فالكثير منها ما لبث أن توارى عقب إصدار بيانه الأول، ومنها ما وضع قواعد معينة للكتابة وكان هو أول المنحرفين عما قام بالهتاف له.

مهمة الكتابة أن تسند مملكة الجمال الداخلية لكي تنعش الأمل فالشعر لا يمكنه أن يغير مسار رصاصة

عن موجات القصائد الحركية والجسدية التي انتشرت لدى بعض شعراء العراق المعاصرين، يقول الجابري في حديثه إلى “العرب” “لقد أثارتني فكرة الفنون الأدائية والحركية المغايرة التي مارستها مجموعة ميليشيا الثقافة، وفي اعتقادي أن هذا الضرب من الإبداع يعود بأصوله إلى مرجعيات غربية هي ذاتها المرجعيات التي قابلت بحفاوة كبيرة الشعراء الذين أسسوا الميليشيا العراقية، حفاوة كانت أكثر من حفاوة التلقي العراقي لهذا النمط من الشعر. كان الاحتفاء العراقي منصبًّا على النص بفجائعيته العالية التي ترسم صورة المشهد العراقي أثناء الاحتراب الطائفي المقيت”.

للجابري ملاحظات حول هذه الفنون الأدائية، وما يكتبه شعراء الحركة، من حيث العناية باللغة التي تتكاسل متعبة باللحاق بالصورة التي تلتقطها عيون بعضهم، ويقول الجابري “إن قصور اللغة وعدم الاكتراث بخمولها هما مقتل القصيدة حين يمضي عليها زمن طويل، وتسقط بالتقادم الحوادث التي كانت سببًا في ازدهارها”.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا