الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
فيلم كن لوتش "عفوا.. لم نجدك" في مهرجان كان Algerian Reporters: فيلم كن لوتش "عفوا.. لم نجدك" في مهرجان كان

فيلم كن لوتش "عفوا.. لم نجدك" في مهرجان كان

فيلم

يعود إلى مسابقة مهرجان كان السينمائي المخرج البريطاني الكبير كن لوتش (83 عاما) حائز “السعفة الذهبية” في المهرجان نفسه مرتين من قبل عن “الريح التي هزت الشعير” (2006) و”أنا دانييل بليك” (2016). ويعتبر فيلمه الجديد “عفوا.. لم نجدك” تنويعة جديدة من تنويعاته المألوفة على مسار التدهور الاجتماعي في بريطانيا المعاصرة.

يمكن القول إن كن لوتش، شأنه في ذلك شأن زميله وابن جيله مايك لي، كان دائما يكتب بلغة السينما- من خلال مجموعة أفلامه التي بدأها عام 1967 بفيلم “بقرة مسكينة”- التاريخ الاجتماعي لبريطانيا المعاصرة، في زمن التقلبات الاقتصادية العنيفة ثم هجمة اليمين التاتشري (نسبة إلى مرغريت تاتشر) وتدميره معظم مكتسبات ما بعد الحرب العالمية الثانية بما في ذلك نظام التأمين الصحي الجماعي، وصولا إلى هجمة النيوليبرالية التي تواصل حاليا تدمير كل ما تبقى من تلك المكتسبات التي أصبحت عاجزة عن تلبية الاحتيـاجات الأساسية للمواطنين.

كان لوتش دائما مخرجا صاحب قضية، منحازا للفقراء والطبقات الشعبية التي تكافح من أجل الاستمرار في الحياة. لديه قدرة خاصة على التقاط الجوانب الإيجابية التي تجعل من شخصيات أفلامه أناسا رائعين قريبين منا يتمتعون بحس إنساني وروح المرح والرغبة في احتضان العالم، كما أنهم يستطيعون أيضا تقديم أفضل ما عندهم لو توفرت لهم الظروف الملائمة. وهم يحاولون دائما خلق تلك الظروف، ولكن هناك قوة أكبر منهم، تبدو في أفلام كن لوتش كالقدر الغاشم، تهزم طموحاتهم، وتهدد تماسكهم، بل وتكاد تهدد وجودهم في الحياة. وهو يلتقط مواضيع أفلامه من قلب الواقع، يعهد بها إلى بول لافيرتي الذي يتعاون معه في كتابة سيناريوهات أفلامه منذ “أغنية كارلا” (1996).

من قلب الواقع

الرئيس يوبخ العامل المأجور الذي يعيش وهم الحرية
الرئيس يوبخ العامل المأجور الذي يعيش وهم الحرية

كن لوتش قادر دائما على إدهاشنا بموضوعات أفلامه التي قد تبدو من على السطح وللوهلة الأولى، بسيطة بساطة الحياة اليومية نفسها التي قد يراها البعض في متناول الفهم المباشر، لكنه يتمكن بقدرة خاصة، من خلال العناية بالتفاصيل والاهتمام بالسرد الواقعي الخشن خشونة الواقع نفسه، مع لمسات شعرية رائعة ومواقف إنسانية تهزك من الأعماق، من الكشف عن الأبعاد الدرامية الإنسانية العميقة التي تكمن تحت سطح الأشياء، وتكشف عن المعدن الحقيقي لشخوصه التي تبقى دائما في الذاكرة. 

ولوتش أيضا أستاذ في التعامل مع الممثلين، كونه ابن المسرح الإنكليزي العريق الذي عمل فيه طويلا بل وبدأ أيضا ممثلا. إن نظرات الممثلين إلى بعضهم البعض في أفلام كن لوتش وطريقتهم في التخاطب والتعامل مع من يحيطون بهم والتآلف مع المكان، لهي في حد ذاتها دليل على تلك القدرة العبقرية الفنية النادرة التي لا يصل إليها كثير من المخرجين سوى بعد سنوات طويلة من إجادة العمل مع الممثلين.

وبينما كان فيلم “أنا دانييل بليك” (2016) فيلما عن الفرد وكيف يجد نفسه مهددا بفقدان حياته نفسها بعد أن يتجاوز الستين من عمره في مجتمع يفترض أنه أحد مجتمعات الغرب الغنية التي تمتلك اقتصادا قويا، بعد زوال جميع المشاريع الاجتماعية وإزاحتها بعيدا لحساب الزحف النيوليبرالي المتوحش وتهميش الفرد بدرجة مرعبة، يمكن اعتبار فيلم لوتش الجديد “عفوا.. لم نجدك” Sorry, We Missed You الذي ينافس مجددا على “السعفة الذهبية”، فيلما عما تواجهه الأسرة البسيطة التي كانت من قبل تعيش حياة لا بأس بها (مستورة)- كما يقال، واليوم أصبحت واقعة تحت ضغوط عنيفة لا تهدد فقط تماسكها، بل وتكاد تقضي على وجودها ذاته.

وكما كانت الوسيلة الوحيدة للاستمرار في العمل وبالتالي البقاء على قيد الحياة أمام “لولو” بطل الفيلم الإيطالي البديع “الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة” (1971) لإيليو بتري، تتمثل في الخضوع لآلية الإنتاج بالقطعة داخل المصنع الرأسمالي وعلى غرار شابلن في “العصر الحديث”، يبدو جهاز المسح الإلكتروني الذي يستخدمه ناقل الطرود البريدية لتأكيد استلام الأهالي للطرود المرسلة إليهم، الأداة الوحيدة التي تكفل له الحصول على ما يحصل عليه من فتات وبالتالي الاستمرار على قيد الحياة، أي كأي عامل مستلب رغم أنه نظريا، يمتلك السيارة ويعمل لحساب نفسه.

عبودية الآلة

أبطال العائلة والفيلم
أبطال العائلة والفيلم

بطل الفيلم “ريكي” فقد عمله السابق وأصبح مع زوجته “آبي” غارقا في الديون، ولكنه يعثر على ما يتصور أنه تحقيق للحلم الذي كان يحلم به طوال حياته. فهو يتعاقد مع شركة تبيعه سيارة نقل خفيفة (فان)، وتوهمه بأنه قد أصبح مالكا يعمل عند نفسه، ولكن نوع التعاقد يكشف عما يمكننا أن نطلق عليه “عقود الإذعان” أو العبودية. فهو يمنح ريكي حرية شكلية تماما في حين أنه في الحقيقة يكبله بالعشرات من القيود والأثقال. ينذره رئيسه في العمل “غافين” قبل أن يوقع على “الاتفاق” بأنه لن يعمل “لحسابهم” بل “معهم”، ولن يحصل على “راتب” بل على “أتعاب”، وأنه مسؤول عن تدبير أمور عمله، ففي حالة غيابه لأي سبب ما يتعين عليه توفير بديل له وإلا يفقد مبلغا محترما عن كل يوم. وعليه الالتزام بتوصيل الطرود في المواعيد المحددة وإلا فقد أيضا جزءا معتبرا من “الأتعاب”، وسوف تتراكم الخصومات والعقوبات عليه بالفعل كما نرى في الفيلم. ورغم أنه يجد نفسه مضطرا لمواصلة العمل 14 ساعة يوميا، إلا أنه بدلا من أن يتمكن من تسديد الديون تزداد عليه وطأة الديون.

أما زوجته آبي فهي تعمل بموجب تعاقد حر، كممرضة تشرف على رعاية المسنين الذين يعانون من فقدان الذاكرة والزهايمر، وقد اضطرت لبيع سيارتها لكي يدفع زوجها العربون الأساسي المطلوب لشراء الشاحنة الصغيرة، فأصبحت آبي بالتالي مضطرة لاستخدام وسائل النقل العام في الوصول لمرضاها الذين يمكن أن يستغيثوا بها في أوقات متأخرة من الليل لسبب أو لآخر، ولكن آبي لا تعمل فقط من أجل المال الذي تحصل عليه بمشقة، بل بدافع إنساني، فشعورها بالمريضات اللاتي ترعاهن شعور تضامن وحنو ورغبة حقيقية في الاستماع إليهن وتقديم المساعدة لهن، وكلما تبدى وجهها الإنساني الجميل المليء بالصدق والحب، كلما تمسك بها زبائنها.

المحصلة أن ريكي يعمل 14 ساعة يوميا دون توقف، وتعمل آبي 14 ساعة يوميا لمدة 6 أيام وليس لديها سوى يوم وحيد تقضيه مع ابنها المراهق سباستيان (15 سنة) وابنتها الرقيقة “ليزا جين” (11 سنة). ويواجه الابن الغاضب المتمرد الذي يشعر بتغير علاقته بوالديه اللذين لا يراهما كثيرا كما كان الأمر من قبل، مشكلات كثيرة في المدرسة ويصبح مهددا بالطرد، وهو يعبر عن غضبه من خلال رسوم الغرافيكس التي يرسمها على الجدران مع بعض زملائه، ولا يتورع حتى عن بيع معطفه الشتوي لشراء علب الطلاء.. بينما تعاني شقيقته من الشعور بالوحدة وتنعكس عليها المشكلات الذي تنجم عن توتر العلاقة بين ريكي وآبي بسبب الضغوط والمشكلات التي يواجهها ابنهما العنيد الذي يلقي اللوم دائما على والده بسبب انصرافه عن البيت.

تتداعى أحداث كثيرة، ويقع ريكي في مشكلات كثيرة سواء بسبب ما يواجهه ابنه في المدرسة أو مع الزبائن الذين يوصل إليهم الطرود، أو مع رئيسه في العمل (غافين)، ذلك المتجبر السادي الذي لا يرحم مهما كانت الظروف، فهو نفسه قد ارتضى بأن يصبح ترسا في آلة جهنمية، يبرر قسوته وفظاظته في التعامل مع السائقين ناقلي الطرود، بأن المساهمين في الشركة لن يرحموا أحدا، وأن الزبائن مهما بدا أنهم يتمتعون بالرقة والأدب، فهم يتحولون إلى وحوش ضارية إن لم تصلهم طرودهم في الوقت المحدد لذلك. فهذا في نهاية الأمر كل ما يهمهم، وبالتالي سيكون أول من يتلقى الضربة هو “غافين” نفسه كما يقول.

يتعرض ريكي لاعتداء اللصوص الذين يسرقون حمولته من أجهزة الهواتف المحمولة، ويكاد يفقد حياته، وهنا يظهر التضامن الأسري كما ينبغي ويعود الابن العاق إلى أبيه، ويقف إلى جواره، وتحاول الزوجة أن تفعل كل ما يمكنها لإنقاذ الأسرة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.. إلا أن آلية الاندفاع الجهنمية في الدوران داخل دائرة العمل والخضوع لعبودية الآلة من أجل توفير القسط الذي يكفي لسد الرمق، تكون قد أفلتت من عقالها وأصبحت كالقدر العاتي الذي لم يعد منه فكاك.

براعة السيناريو والإخراج

إننا أمام أسرة تواجه وضعا اجتماعيا شديد التعقيد، ولكنها لا تيأس ولا تستسلم تماما بل تظل تكافح لكي تهزم قسوة الواقع
إننا أمام أسرة تواجه وضعا اجتماعيا شديد التعقيد، ولكنها لا تيأس ولا تستسلم تماما بل تظل تكافح لكي تهزم قسوة الواقع

فيلم كن لوتش يعتمد على سيناريو بسيط ولكنه عميق، وشخصيات “عادية” قريبة منا، لكن تكمن في بساطتها وعاديتها، ومن القوة الدرامية التي تدفع الأحداث وتسيطر على المشاعر، وتجعل المشاهد في كل مكان، يتفهمها ويتعاطف معها فهي قريبة منا جميعا. وهو أيضا فيلم إدارة ممثلين، وبناء مشهد من مجموعة من اللقطات في الداخل والخارج، أي في الأماكن المختارة بعناية في مدينة نيوكاسل. ويجيد لوتش أيضا التحكم في الإيقاع الداخلي للمشهد بحيث لا توجد لقطة تستمر على الشاشة أكثر مما هو ضروري، ولا لقطة زائدة عن الحاجة، كما يعتبر من المخرجين المحنكين في إدارة الحوار المتدفق بما يتضمنه من شتائم وصراخ وتعبيرات غاضبة.

إننا أمام أسرة تواجه وضعا اجتماعيا شديد التعقيد، ولكنها لا تيأس ولا تستسلم تماما بل تظل تكافح لكي تهزم قسوة الواقع كما كان دانييل بليك يفعل، ولكنها كلما أقدمت على خطوة ما في سبيل الخروج من المأزق سرعان ما تجد نفسها في مأزق آخر أكثر تعقيدا.

عنوان الفيلم “عفوا، لم نجدك” هو إشارة إلى البطاقة التي يتركها حامل الطرود عندما لا يجد صاحب الطرد موجودا في مسكنه. ولكنه يحمل هنا دلالة ترتبط بذلك “التجاوز″ الاجتماعي والتهميش والاستبعاد، وكأن كن لوتش يقول لنا إن الدولة الرأسمالية الجديدة تخلت عن الفرد وعن الأسرة وأصبحت مكرسة فقط لخدمة “أصحاب المصالح” من أصحاب الاحتكارات. وهنا تصبح عبارة “عفوا.. لم نجدك” مرادفة لـ”عفوا.. أنت غير موجود أصلا”!

يبلغ أداء الممثلة “ديبي هونيوود” ذروة التعبير الدرامي في دور الزوجة “آبي” فهي رغم أنها ليس لها باع طويل في عالم التمثيل، إلا أنها تمكنت بفضل التدريبات المكثفة التي حصلت عليها، من إثبات قدرة خاصة على التعبير عن الشخصية التي تؤديها في بساطة تأسر القلوب، ولكن بعمق في فهم الشخصية التي تؤديها وكأنها تعيشها في الواقع. كما يتفوق أيضا كريس هتشين في دور “ريكي” في معاناته وتمزقه وروحه المرحة وقت اللزوم، وغضبه واعتذاره وشعوره بالذنب ولكن عدم القدرة على التوقف بعد أن أصبح التمتع بيوم واحد من الراحة نوعا من الترف.

هناك توازن مقصود في الفيلم بين الدورين وبين الشخصيتين وبين الممثل والممثلة، ورغم أن كريس يحتل المساحة الأكبر نسبيا من الفيلم إلا أن أداء هونيوود يبرز بصورة تذكرنها بأداء بريندا بريثين في “أسرار وأكاذيب” لمايك لي. وربما تفوز هونيوود بجائزة أفضل ممثلة، ولكن يجب أن ننتظر.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا