الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
رحلة آسرة في تاريخ دمشق من خلال المسرح Algerian Reporters: رحلة آسرة في تاريخ دمشق من خلال المسرح

رحلة آسرة في تاريخ دمشق من خلال المسرح

رحلة

يعتبر السوري أبوخليل القباني رائد المسرح العربي، ومعه شهد العرب لأول مرة فن المسرح، ورغم نجاح القباني في خلق جمهور واسع وتطوير أعماله، إلا أنه جابه الكثير من العراقيل والصعوبات. مسيرة القباني ورحلته إلى أميركا حامت حولهما الكثير من الحكايات، وهذا ما دعا الكاتب السوري تيسير خلف إلى تحقيقها لتخرج في كتاب متكامل.

حاز الكاتب والباحث السوري تيسير خلف العام الماضي على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، لتحقيقه كتاب “من دمشق إلى شيكاغو.. رحلة أبي خليل القباني إلى أميركا 1893” والذي نتعرف فيه على رحلة القباني التي ظن الكثيرون أنها وهميّة أو مجرد حكاية شعبيّة، ليقدم لنا خلف وثائق وصور تثبت حقيقة هذه الرحلة، والتي نكتشف عبرها شكل العرض المسرحيّ الذي تبناه القباني هناك، وعلاقته مع فنون الشرق، ما جعل منه لا فقط رائدا سوريا عرّف المنطقة بالمسرح، بل أيضا شخصية ثقافية عربية تنقلت بين بيروت ومصر وكانت إشكاليّة على المستويين الاجتماعي والسياسيّ.

رحلة تاريخية

أن تنتصر للمسرح في دمشق
أن تنتصر للمسرح في دمشق

يتابع خلف بحثه في الظاهرة المسرحيّة في بلاد الشام، إذ صدر له هذا العام عن دار المتوسط كتاب “وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1873-1883”، لندخل في رحلة آسرة في تاريخ دمشق خلال العهد العثمانيّ، نتعرف فيها على بداية ظهور “فن التمثيل”، ودور أبوخليل القباني المفصليّ في التأسيس لهذا الفن وجعله شعبيا وجماهيريا، إذ يبدأ خلف الكتاب بسؤال “هل يمكن إضافة جديد إلى الكتب والدراسات التي صدرت في أكثر من مكان عن حياة القباني في مرحلته الدمشقية؟” هذا السؤال قاده إلى البحث في أرشيفات الصحف والوثائق “العثمانيّة” والسوريّة والأوروبيّة، في محاولة للتصدي للكم الهائل من الحكايات الوهمية وغير الموثقة التي تحيط بالقباني وتخفي الكثير مما شهده في حياته.

نقرأ في الكتاب عن المناخ السياسيّ بمدينة دمشق في نهايات القرن التاسع عشر، وطبيعة الفضاء الثقافي حينها وأشكال الترفيه والتسلية السائدة ثم ظهور القباني ومسرحه وتشخيصه للمسرحيات، وكيف أثار أعجاب الدمشقيين الذين التفوا حول عروضه إلى جانب سخرية وتهافت “الكركوزاتيّة” و”المزعبرين” منه وموقفهم مما يقوم به، خصوصا أنه قدم شكلا فنيا أخلاقيا حسب معايير تلك الفترة، إذ كانت مسرحياته خالية من السباب والانحطاط، ووافق عليها الدمشقيون والسلطة والمشايخ في البداية لما وجدوا فيها من تهذيب للنفوس وغير ذلك من المنافع، إلى حين ظهور أزمة الفتيان “المُرد” الذين أثاروا حفيظة الشيوخ، وعملوا على كتابة عريضة للباب العالي لمنع القباني من “التمثيل”، وهنا يكشف لنا خلف بدقة حيثيات هذا الخلاف وما يحيط به من متغيرات سياسيّة.

نكتشف أيضا طبيعة المسرح كفضاء اجتماعيّ، يرتاده الرجال من مختلف الطبقات والطوائف وأحيانا النساء، كما نقرأ الآراء حول ما كان يدور فيه، وانطباعات من حضروا عروض القباني سواء كانوا عربا أو أجانب ضمن الوثائق التي وصل إليها خلف، الذي قرأ تاريخ المسرح في تلك الفترة بوصفه حدثا سياسيا وثقافيا لا مجرد شكل فنّي وجماليّ.

وتظهر جهود خلف البحثيّة في تناوله لمقالات الصحف التي كتبت عن القباني وعروضه والتي كانت مكبّلة بالسجع والطباق والبهرجات اللغويّة، إذ قام بـ”فك رموزها” مقارنا إياها بالوثائق الرسمية والأحداث التاريخيّة لفهم طبيعة الآراء حول القباني، إلى جانب تثبته من الكثير من التواريخ التي اختُلف عليها من قبل، كميلاد القباني وحريق المسرح وتواريخ خلافاته مع السلطة ومع من حوله.

عراقيل ضد المسرح

أبوخليل القباني في مسيرة غير معهودة من دمشق إلى شيكاغو
أبوخليل القباني في مسيرة غير معهودة من دمشق إلى شيكاغو

نتلمس في الكتاب أيضا تفنيدا للآراء التي كانت تقول إن القباني ليس إلا رجل سلطة مدعوما من الباب العالي، والتي يرى فيها خلف إجحافا وتسرعا بالحكم على القباني، فالسلطة منعته من العمل، وكان دخله من ريع التذاكر، أما الناس فقد أقبلوا على مسرحياته ولم يجدوها بعيدة عنهم، وأما موقف الشيوخ منه فنكتشف الخفايا من ورائها والدسائس ذات الأبعاد السياسية، خصوصا أن مسرحه شهد عددا من الخلافات السياسيّة، بغض النظر عن توجهه، إلا أنه كان فضاء للتغير الاجتماعي والتعبير عن الرأي، وبالرغم من منع القباني فقد كان متفانيا في عمله، ويسعى دوما إلى تحسين صنعته المسرحيّة سواء عبر تطوير شكل التمثيل أو الموسيقى أو المناظر التي تجاوزت كونها مجرد رسومات لتتحول إلى مجسمات على الخشبة.

 لا يمكن تناول كل ما في الكتاب، خصوصا أنه يأخذنا في رحلة تاريخيّة غير معهودة في تاريخ دمشق والأشكال الفنية ضمنها، وكيفية تشكيل الهوية الوطنية والعربيّة، وكيف ساهم المسرح في بنائها، لكونه يُؤدّى باللغة العربيّة ويستعيد حكايات الماضي معيدا الاعتبار للعروبة، ولا نكرر هنا الكلام التقليديّ، فالكتاب يعرفنا على المسرح كوسيط ثقافي وفنيّ جماهيري الذي غيّر من الطبيعة الاجتماعيّة للبلاد وموقف السكان من السلطة وشكل الحكم القائم.

من أكثر ما يثير الاهتمام في الكتاب هو تعرفنا على مسرح القباني من الناحيّة الفنيّة، أي نظرية القباني في “فن المسرح”، إذ كان يعتمد كسر الإيهام أثناء اللعب، أي هناك اتفاق بين الممثل والحاضرين على أن ما يحصل أمامهم هو لعبة، ويمكن للممثل أن يخاطب الجمهور ويستشيرهم ويطرح عليهم آراءه بوصفه يؤدّي دورا فقط، ولا يهدف إلى التصديق الكامل، كذلك هناك “اللعبة المتكاملة” أي أن العرض يقوم على أساس تكامل الحوار مع الرقص والغناء التي لا تقوم المسرحيّة دونها، والأهم هناك “الاعتبار” وهي رسالة المسرح الأخيرة، فهدف المسرحيّة هو “التغيير النابع من القناعة الذاتيّة” هذا المفهوم مرتبط بالـ”تخريجة” الفقهية التي أوجدها القباني لمسرحه، بوصفه يحوي عبرة للاستفادة منها، ما جعله يركز على عرض أخبار الأولين والخبرات البشريّة لتكون دليلا أخلاقيا للمشاهدين.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا