الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
مطبخ الحرب Algerian Reporters: مطبخ الحرب

مطبخ الحرب

مطبخ

تَحلّق الجميع حول الشاشة. كنّا نشاهد فيلماً سينمائياً من اختيارنا لأوّل مرة. قبل أن يدخل مشغّل الأقراص المضغوطة للبيت، كنّا مثل البقية تحت رحمة مدير القناة التلفزيونية المحلية، يختار لنا ما يشاء هو، وما يعتقد أنه مناسب لمزاج الشعب.

اقترضت مشغّل الأقراص من عمّتي، أهداها إياه خطيبها الذي يسكن في ولاية ميشيغان في أميركا. ورغم اعتراض أبي على الزواج من هذ الرجل الذي يصفه بالفاجر، معلّلاً ذلك بارتياده البارات هناك، إلّا هذا لم يعترض على اقتراض المشغّل ليوم واحد، وقد أخذ وعداً منّي بأن أكون حذراً وأتعامل معه بعناية خاصة. لهذا عندما سقط الصاروخ الأوّل على بناية البلدية، واهتزّ البيت، لم أفكّر في أي شيء آخر سوى احتضان المشغّل لأجنّبه السقوط على الأرض. حرصت على وضعه في مكان آمن، والتحقت بباقي العائلة.

كان أبي يحاول أن يختار لنا غرفة بأعمدة جيّدة، وقرّر أن يوزّعنا على الأركان، خشية أن يسقط السقف على رؤوسنا. ومع الصاروخ الثالث، كان أبي قد أتمّ عملية حسابية طويلة.

قال: "لدينا كيس طحين وكيس رز. أعتقد أننا نحتاج إلى اثنين آخرين"، ثم أخبرنا أن صديقه حارث قرّر أن يتبرّع له بكيس رز قبل خمسة أيام، عندما كانوا يتحدّثون عمّا بوسعهم فعله إذ ما اندلعت الحرب من جديد. لكن أبي كان يفكّر بحقيقة هذا الوعد، لأن أهمية الرز قبل القصف ليست كأهميته بعده. لكني لم أكن أدرك أهمية تلك الحسبة أبداً، لماذا نحتاج إلى طن من الطحين، وطن من الرز، لم أكن أعرف كم ستطول الحرب، وإلى ماذا ستحيلنا.

تنهّد أبي ثم قال: "بعد أن تهدأ الأصوات وتخفت حدّة القتال، سنستعد لملء الأكياس".

وبالفعل، بعد أن تلاشى الصوت، أخرج أكياس البلاستك الكبيرة، الأكياس التي لم أعرف سبب شرائها حينها، وبدأنا ننفّذ الأوامر ونقوم بملئها بالماء، أتذكّرها جيّداً... كانت شفّافة بعمق متر، ثمّ أحكمنا إغلاقها ووضعناها في جهاز التجميد المعطوب منذ سنتين. تحوّل في النهاية تابوتاً لأكياس الماء، بعد ملء الاكياس الذي لم أفهم أيضاً أهميته.

سألتُ أُمّي: لماذا نفعل كل هذا؟

قالت: ستطول الحرب وسينقطع الماء، وتتوقّف الدولة عن إعطاء الرز للمواطنين وتحدث الكارثة.

فسألتها: ألن تنتهي الحرب قريباً؟

أجابت: لا ستطول كثيراً.

كان أبي يتجوّل في حوش البيت ممسكاً يده اليمنى باليسرى خلف ظهره، ويردّد تميمة أو دعاءً. سمعته يقول: "يا رب الغيوم البيضاء اجعل عدوّنا فتّاكاً هذه المرّة، لا توقعنا مع عدو يساوينا في القوة وطول البال". ثمّ أردف: "رغم أنّنا لم نكن أصحاب بال طويل، لكن القائد الذي حفظته أنت من كل المعارك والأزمات صاحب مزاج عال في التعامل مع الحروب. حفظتَه من الموت، ولم تحفظ رفاقي الجنود من الألغام".

استجاب صاحب الغيوم لدعاء أبي هذه المرّة، ربما خشي أن يغضب منه، فهو لا يودّ أن يخسر آخر قلب يحبّه في هذه المدينة، رغم أنه لم يعبأ لخسارة كل الناس هنا بعد الحرب الأخيرة التي طالت ثلاثة عشر عاماً. انتهت الحرب سريعاً، ودخلت الدبّابات إلى المدينة وصفّق لها الناس ورشقوها بالورود. وبعد مضي شهرين من الحرب، لم يتذكّر أحد الماء الحيّ داخل التابوت. وفي ظهيرة صيفية، بعد أن خلد الجميع إلى النوم، ذهبتُ إلى الجاهز وأخرجت الأكياس من هناك، مياه الحرب الغالية لم تعد ذات قيمة في تلك الظهيرة، حملتها إلى السطح، ثمّ ثقبت الأكياس بتسديدات خاطفة بالحصى من على بعد خطوات حتى انساب الماء على الأرض بسرعة. كانت لعبة جميلة جدّاً، إلّا أنها لن تتكرّر دائماً. تُلعَب مرّةً واحدة بعد كل حرب.

ورغم أن الحرب انتهت، إلّا أنَّ سكّان المدينة، إلى الآن، يتّفقون على أن ماء الحرب أغلى من ماء السلام، وكلّما استُذكرت قصص الحرب أمامهم يتقافزون من أماكنهم ، وكثيراً ما يركض أحدهم إلى المخزن للتأكُّد من كمية الرز في البيت. أصبح هذا أشبه بهوس جماعي.

بصراحة، أشتاق لتلك الحروب، صحيح أن الناس يكرهونها، لكنني أحبّها. لو تعود الحرب ثانية، لنأكل رزّ الحروب اللذيذ ونشرب ماء الأكياس الغالي.

مرّةً كنت أتحدّث مع أمّي وأقول لها إنني عندما أكبر، سأفتتح مطعماً يقدّم وجبات الحروب، وأعيّن أبي مستشاراً للطبّاخين، لأنه يجيد الطبخ. تعلم ذلك في جبهات القتال. أخبرني في إحدى حكاياته عن نوعية الأطعمة التي يتناولها المسلّحون هناك... واحدة تدعى "الخميعة" وهي خبز وزبدة وحليب، وهناك "المحروك أصبعه" وهو بقايا خبز مع البهارات ومرق السمن. سأقدّم في لائحة الطعام كل تلك الأكلات، وربما سأضيف لها "المسموطة" لقرب اسمها إلى دلالات الحرب، مع الشاي المرّ.

أمّي متفائلةٌ، وقد أخبرتني أنها تشعر أننا سننجح في ذلك، فالناس هنا دائما ما يشعرون بالحنين للحرب.

أبي مثلاً عمره اثنان وثلاثون سنة، قضى منها ستّة عشر عاماً في الجبهة على الحدود يأكل "الخميعة" ويترقّب قدوم العدو، وهو يشتاق إلى نصف عمره الذي قضاه خلف أكياس الساتر، فعندما يتذوّق "الخميعة" في البيت يقول: "هاي الخميعة تسوى عمري كلُّه".

قلت لأمي إذن لنفتتح المطعم ولنصنع خميعة مدهشة إلى الحدّ الذي تستهدف به ذاكرة الزبون لا معدته.


* كاتب من العراق

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا