الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
القراءة في عطلة! Algerian Reporters: القراءة في عطلة!

القراءة في عطلة!

القراءة

كما جرت العادة، تختار دور النشر العربية، عشية كل صيف، الدخول في عطلة طويلة غير معلنة، حيث يندر أن تصدر دار نشر كتابا ما خلال الصيف، كما لو أن الأمر عملية انتحارية. في مقابل ذلك، تستيقظ دور النشر المهووسة بصناعة الكتاب المدرسي من سباتها السابق لتحجز لنفسها مطابع البلد، ومعها مكتبات البيع، موجهة بذلك حلقات صناعة الكتاب نحو مجال مربح، يستحق أن يتم معه الاستغناء عن فترة نقاهة على شاطئ ما.

إنه سبات يعود إلى أكثر من سبب. فإلى جانب التأخر التاريخي لانبثاق قطاع النشر العربي مقارنة مع الدول الأوروبية، والذي ما زالت ظلاله ممتدة على القطاع، يبدو مشهد النشر، حافلا بالحالات المفارقة التي تغيب عنها رائحة المهنية. إذ إن هناك دور نشر يدبرها أفراد العائلة، وقد تتوارث، كما لو أنها أملاك عقارية وليست مشاريع ثقافية. وهناك دور تموت فور توقف أوكسجين الدعم. وهناك دور تختبئ وراء خطاب أزمة القراءة لكي تأتي على حقوق كتابها. وهناك دور تفتقد لأدنى شروط عمل النشر، وهو التوفر على لجان القراءة، الأمر الفاصل بين مهنة المطبعي ومهنة الناشر.

ولذلك، يبدو عاديا أن يظل إنتاج دور النشر العربية محدودا، على الأقل على المستوى الكمي، إذ يَقل ما يصدر عن مجمل هذه الدور سنويا عن إنتاج بلد واحد قريب، وهو تركيا، دون الحديث عن البلدان الأخرى التي تملك صناعة كبرى على مستوى النشر. كما هو الأمر بالنسبة إلى فرنسا أو الولايات المتحدة وغيرهما.

لأن القارئ مَلك، تحرص كبريات الصحف والمواقع الأوروبية وغيرها على اقتراح لوائح المئات من العناوين التي تستحق أن توضع في حقائب السفر،

أما ربط مشاكل القطاع بشماعة مشكلة القراءة فأمر غير منصف. ذلك لأن القطاع الجيد هو الذي يمكن أن يخلق القارئ الجيد. وأما صناعة القارئ فتبدأ، بالإضافة إلى توفير شروط أخرى ومنها إدماج القراءة ضمن المنظومة التعليمية، من الاستجابة لحاجياته. وهي الحاجيات التي تتغيرّ حسب الأعمار والأذواق والتكوين والحالة الاجتماعية والجنس وأيضا حسب الفصول.

ولعل ذلك ما لا تتنبه إليه أغلب دور النشر العربية التي تستمر في فرض ما توفّر لها من عناوين على قراء غير معنيين، على سبيل المثال، بكتب النقد الأدبي، بأسئلته التي لا تنتهي، أو بفيضان الدواوين الشعرية التي تملأ المكتبات والتي لا يقرأها أحد.

إن القارئ مَلك. على الأقل كما تُصوّره أدبيات علم المكتبات واضعة إياه في قلب حلقات صناعة الكتاب، ولعل ذلك ما يفسرهّ دور المكتبات العمومية، التي اجتاحت أحياء دول أوروبا والولايات المتحدة، ابتداء من القرن السادس عشر، والتي لها وظيفة حاسمة على مستوى إشاعة القراءة ودمقرطة المعرفة وتيسير الوصول إليها من قبل الجميع.

وكان أساس ذلك يكمن بالضبط في طبيعة خدمات هذه المكتبات الموجهة إلى العموم وفي رصيدها الذي يفترض فيه أن يستجيب لحاجيات الجميع، ابتداء من الطفل الذي يبحث عن كتابه الأول، إلى المراهق الذي يبحث عن كتب رسائل الحب، إلى المرأة التي تبحث عن دلائل تعلم الأمومة، إلى الصانع الذي يحتاج فك معادلة تقنية.

إنها المكتبات نفسها التي ما زالت تستمر في صنع المجتمع القارئ، حيث ارتفعت، على سبيل المثال، نسبة ساكنة منطقة الكيبك التي تستعمل المكتبات العمومية، حسب أرقام السنة الماضية، إلى 96 بالمئة. بينما جاوز عدد الإعارات على مستوى المكتبات العمومية في فرنسا الثلاثمئة مليون إعارة.

بالطبع، دون الحديث عن بقية أنواع المكتبات الأخرى، ومنها المكتبات الجامعية والمكتبات المختصة، ومكتبات المستشفيات ومكتبات السجون وغيرها، ودون الحديث عن أرقام المعاملات التي يحقّقها قطاع الكتاب بشكل عام داخل هذه البلدان، والتي تتجاوز أحيانا أرقام الصناعات الكبرى وعلى رأسها صناعة السيارات. إنها الأرقام التي تفنّد بالمناسبة مزاعم الذين يقتاتون من تكنولوجيا المعلومات الجديدة، والذي يلوّحون بنهاية الكتاب الورقي ومعه المكتبات بكل أنواعها.

وفي آخر دراسة ميدانية تهم عادات القراءة خلال الصيف لدى الأوروبيين، يتأكّد من جديد استمرار علاقتهم بالكتاب وبالقراءة، خلال كل الصيف، كما في بقية الفصول. إذ تكشف نتائج الدراسة عن تخصيص أكثر من 80 بالمئة من العينة لوقت أكثر للقراءة خلال العطلة. بينما تتجاوز نسبة الذين يفضلون الكتاب الورقي 60 بالمئة، في الوقت الذي تصل فيه نسبة الذين يفضلون القراءة على الشاطئ الخمسين بالمئة.

وبذلك، في اللحظة التي تدخل فيها دور النشر العربية مرحلة القيلولة الطويلة، تكون دور النشر الأوروبية قد ملأت رفوف مكتبات البيع بالآلاف من العناوين التي سترافق قراء الصيف، سواء في لحظات الانتظار، أو في محطات القطارات، أو في الطائرات، أو في الشواطئ، أو في المقاهي.

يبدو عاديا أن يظل إنتاج دور النشر العربية محدودا، على الأقل على المستوى الكمي، إذ يَقل ما يصدر عن مجمل هذه الدور سنويا عن إنتاج بلد واحد قريب، وهو تركيا

ولأن القارئ مَلك، تحرص كبريات الصحف والمواقع الأوروبية وغيرها على اقتراح لوائح المئات من العناوين التي تستحق أن توضع في حقائب السفر، مرفقة مع نصوص نقدية أحيانا، تاركة للقارئ حرية الاختيار. وهي الفكرة، بالمناسبة، التي نقلتها بعض الصحف العربية بشكل هجين، معلنة عن كتب غربية، كما لو أن الكتاب العربي لا يستحقّ أن يكون ضيفا على قراء الصيف.

أما المشكل الأكبر، فهو أن سبات دور النشر العربية لن يتوقف عند حدود الصيف. إذ إن العطلة تُفَوت على القطاع لحظة أخرى، وهي لحظة الدخول الأدبي. ففي اللحظة التي يكون فيها الناشرون العرب ومعهم كُتابهم وقراؤهم في لحظة استجمام، تكون دور النشر والمكتبات الأوروبية قد أنهت تفاصيل لحظة الدخول. ولعلها الأهم على مستوى تقاليد الكتاب والقراءة.

أما الأغرب، فهو أن تنتقل عدوى النوم إلى العديد من الصحف والمجلات الأسبوعية والشهرية العربية، التي تعلن عشية كل شهر أغسطس تعليق صدورها، واعدة قراءها كالعادة بلقائهم بعد شهر.

ولعل السبب الخفي في ذلك يكمن في الخوف من تراجع المبيعات. أما الصحافة المهنية فهي التي تصل إلى قارئها حتى لو كان في شاطئ قصيّ، وأما احترام القارئ فيبدأ من تقديس حقه في الحصول على جريدته أو كتابه، سواء في الصيف أو في الخريف.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا