الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
عصام الشماع: الممثلون أدوات المخرج لصناعة سينمائية هادفة Algerian Reporters: عصام الشماع: الممثلون أدوات المخرج لصناعة سينمائية هادفة

عصام الشماع: الممثلون أدوات المخرج لصناعة سينمائية هادفة

عصام

تختلف آراء النقاد حول كيفية إعداد الأدوات الفنية لتقديم عمل سينمائي ودرامي متقن وهادف، ويربط البعض بين غياب الاهتمام بشخوص الأعمال كمدار أساسي لدوارن العمل الفني حوله وبين تدهور القيمة المقدمة. ويقول المخرج والمؤلف المصري عصام الشماع لـ”العرب”، إن تحرير فكرة العمل من خلال شخصية البطل وسيلة مثالية لتقديم قطعة فنية تهيمن على مشاعر المشاهد وعقله.

القاهرة – يعد التركيز على الشخوص وتطويرها وتحويلها إلى أداة سردية للتعبير عن الفكرة وتكوينها من أصعب مهام المؤلف والمخرج، لاسيما إذا أراد تقديم عمل فني ناجح على المستوى التجاري والإبداعي.

واستطاع قلة من المبدعين العرب تحقيق تلك المعادلة الصعبة، وأحدهم المؤلف والسيناريست والمخرج المصري عصام الشماع، الذي قدم 24 عملا فنيا، أخرج منها 13عملا، من خلال رؤية فنية تخصه وحده، وضع في بوتقتها عوالمه وشخوصه وأفكاره، وحملت خصوصية في واقع السينما والدراما المصرية، كما وضع توليفة حقّق من خلالها القيمة الفنية والتجارية، وجذب انتباه الجمهور وحقّق رواجا الأمر الذي جعل أعماله تدرج ضمن أولويات المشاهد المصري.

البطل الشعبي

انحاز عصام الشماع لفكرة بطولة الشخصيات الشعبية المهمشة منذ بداية فيلمه الأول “طالع النخل” من بطولة الفنان الراحل عبدالله محمود، وألقى الضوء على شخصية محمد الشاب القروي الذي يعمل كـ“طالع النخل”، يتسلقه ليقلّمُه وينظف جريده ويجلب ثمار البلح، ثم في فيلم “الأراجوز” بطولة النجم الراحل عمر الشريف، الذي كان بطله محمد جاد الكريم، القروي البسيط الذي يمتهن مهنة المهرج، وفيلم “كابوريا” بطولة الراحل أحمد زكي، وقدّم فيه شخصية حسن هدهد الملاكم الفقير الذي يعجز عن تحقيق حلم الوصول إلى الأولمبياد، ليكتفي بإقامة حلبات ملاكمة في الحي الشعبي الذي يقطن به.

ويقول الشماع في حواره مع “العرب”، “كنت أول من التفت لتقديم شخصية طالع النخل على شاشة السينما عام 1987، وعبرت عن آلامه وجروحه وأحاسيسه، ومعاناته من خلال إصابته بمرض البلهارسيا، فتضطره الظروف للسفر إلى القاهرة، ويتعرّض لظروف قاسية في مراحل علاجه، حيث يقع في مأزق الخضوع لعملية جراحية قد تكلفه حياته، وتزداد الأمور سوءا بتقدّم أحد الأثرياء للزواج من حبيبته، فيرضخ لإجراء عملية جراحية خطيرة”.

ويستوحي فريق المخرجين المهتمين بالشخصية، أفكارهم من علاقة البطل بالمكان وتأثره به وتأثيره فيه، ومن الريف استمد عصام الشماع فيلمه الأول “طالع النخل”، أمّا فيلم “كابوريا”، وفيلم “توت توت” من بطولة نبيلة عبيد، فقد استوحى شخصيته من الحارة الشعبية، ويلفت الشماع إلى أنه ابن إحدى حواري القاهرة، وعايش بنفسه معظم الشخصيات المهمشة التي قدمها في أفلامه، وشاهدها لحما ودما.

وتابع لـ“العرب”، “لم تكن شخوص الأماكن الشعبية غريبة عليّ، فعبّرت عنها دون تكلّف ورصدت أدقّ تفاصيلها، وبعض الأحداث التي وضعت فيها تلك الشخوص حقيقية، فحكاية كريمة التي جسدت شخصيتها الفنانة نبيلة عبيد في فيلم ‘توت توت’ استوحيتها من الواقع”.

المؤلف والمخرج المصري يرى أن الاهتمام بطبيعة الشخصية وسيكولوجيتها يوفر مساحة أوسع للتواصل مع المشاهد

وخرج الشماع من واقع الحارة، إلى شارع المدينة الأكثر رحابة وتعددا للشخوص، لكنه ظل منحازا للشخصية الشعبية، ويقول “عبّرت عن الواقع الذي تعايشه فتاة الليل بشارع المدينة، خرجت من الحارة لفضاء الشارع من خلال فيلم ‘رانديفو’، الذي جسدت فيه الفنانة سمية خشاب، شخصية فتاة الليل الشعبية التي يدفعها الفقر والعوز لبيع جسدها لمجموعة من الشباب، لكن مسار الحياة يتغيّر لتبدأ حياة جديدة”.

ويعتقد الكثير من النقاد أن سمات البطل الشعبي تغيّرت بعد موجة الانفتاح الاقتصادي بشكل عام مع نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتحوّلت أنماط البطل في الحارة، حيث اختفى الرجل الشهم والنبيل نصير الغلابة عن الأعمال السينمائية.

وهو ما يؤكده الشماع، بقوله إن تلك السمات تغيّرت مع دخول الفضائيات والتقنيات الحديثة، “ففي فترة السبعينات من القرن الماضي كان نسيج الحارة متنوعا، وتشكّل من أصحاب الحرف والمهن الحرة (السبّاك، الطبيب، المدرس)، لكن القيم التي تحكم هذه الأشخاص تغيّرت، ولم تعد القيمة المعنوية الأهم، بل المادة والمال”. ويضيف لـ“العرب”، “اضطر أصحاب هذه الحرف نتيجة لتغيّر قناعاتهم، للهجرة إلى بلاد الخليج للحصول على الأموال، ولجأ بعضهم إلى أساليب ‘الفهلوة’ والخداع والسرقة وتجارة المخدرات، ولم يعد للبطل الذي قدّمته على شاشة السينما وجود، فقد تغيّرت طبيعته”.

تركيبات متضاربة

يقول عصام الشماع على فكرة تقديم تلك الشخوص بعد تغيرها في السينما “السينما دورها تقديم الشخص الشعبي بطبيعته الحالية وواقعه الفج، مجرم وقاتل ولص محترف، وغيره من الصفات المبتذلة، لذا فالأجدر بالسينمائيين تقديمه بالطبيعة التي يجب أن يكون عليها، مع الابتعاد عن الاستسهال الذي تُقدّم به عادة هذه الشخصيات”.

ونجح المؤلف والمخرج المصري عصام الشماع في تقديم أعمال مركبة بها شخصيات متعدّدة ومعقّدة، فقدّم كل منها نموذجا فريدا، وأخرج أربعة أفلام، عرض من خلالها تلك التركيبات، ويقول أهمها “مجانينو”، والذي مثّل تجربة خاصة سرد فيها حكاية طبيب في أحد المستشفيات العقلية، شخصيته متسلطة تعشق المال، وانتهازي يستغل عمله في مصحة لبيع حبوب الهلوسة للعقلاء حتى يصيروا مجانين.

ومن خلال تلك الفانتازيا، عبّر عن عالم المجانين، فإحدى شخوص الفيلم، بهجت، يعتنق الفكر الاشتراكي ويحلم بالهروب من سطوة المخابرات الأميركية، والآخر عالم ويحلم بحل أزمات العالم كلها، ويشعل أحد المجانين النار في نفسه اعتراضا على تفشي الظلم، وينظم البقية مظاهرة بعد هروبهم إلى الشارع.

وهناك فيلم “رجل مهم جدا” الذي تعرّض فيه الشماع لسيكولوجية الإنسان المقموع وخوفه الدائم، فشافعي الذي جسد شخصيته الفنان الراحل فاروق الفيشاوي يخاف من أمه التي يعيش معها، ويخشى الحكومة دون أن يخالف القانون، ويعيش منغلقا على ذاته، إلى أن تصطدم سيارته بأخرى فيظن بدافع الخوف أنه ارتكب جريمة قتل، ويجبر على الهروب ويمر بعدة أزمات وأحداث إلى أن تُثبت براءته.

ويلفت الشماع إلى أنه قدّم سيرة الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم في فيلم “الفاجومي”، بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والفنية، وهاجمه بعض نقاد وكُتاب السينما حينها، لأنه اختار الفنان خالد الصاوي لأداء شخصية “نجم” في الفيلم باعتبار أنه لا يشبهه.

ويقول “الصاوي الأقرب لشخصية الشاعر الراحل من ناحية الثقافة والروح، ونجح في الولوج لدواخيل نجم، رغم اختلاف التشابه الشكلي والبنية الجسدية بينهما، وهناك العديد من الشخصيات التي قدّمت سيرة أشخاص آخرين ولا يجمعهم تشابه شكلي أو جسدي”.

وحرص الشماع في أعماله الدرامية على ترسيخ فكرة الوعي الإنساني، ويقول “كنت مهتما من بداية تجارب أعمالي الدرامية بتقديم عمل متكامل يحمل رسالة هادفة وفكرة واضحة، فجهاز التلفزيون يغطي شريحة كبيرة من المشاهدين العرب، ويخاطب كل الطبقات باختلاف ثقافاتها ومستوياتها الاجتماعية”. وقدّم في أول مسلسلاته “المحاربون” قضية الفساد والتخلف والجهل في مراكز البحث الطبية، ثم اهتم بمناقشة فكرة العولمة في الأعمال الدرامية التي كتبها أو أخرجها.

ونقل مصطلح “سيادة الميديا” للمرة الأولى إلى الجمهور راصدا ثورة الاتصالات في ذلك الوقت، وتأثيرها على الأفراد، واستكمل أفكاره في مسلسل “رجل في زمن العولمة”، ثم مسلسل “أسلحة دمار شامل”، وتعرّض فيه للكثير من التحوّلات المحلية والعالمية التي طرأت على الأفراد، وما استجد في التقنيات والفضائيات والإنترنت وشبكات الهواتف المحمولة.

ويرى عصام الشماع أن أزمة الدراما تكمن في غياب العمل الفلسفي الجيد والقصة المتقنة، موضحا “النسبة الأكبر من الأعمال التي تقدّمها السينما المصرية ليست جيدة فنيا، نتيجة لطبيعة العصر نفسه الذي يعاني من غياب المفكرين والفلاسفة، وضياع دور المسرح والموسيقى، وتدهور الصناعة والزراعة، فالمجتمع يحتاج لتغيير اجتماعي وحضاري وثقافي وفني، علاوة على ضرورة عودة دور الحكومة ودعمها لروح التحضّر من خلال المؤسّسات المعنية”.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا