الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
أن تكون عربياً مستشرقاً في بلاد الغرب Algerian Reporters: أن تكون عربياً مستشرقاً في بلاد الغرب

أن تكون عربياً مستشرقاً في بلاد الغرب

أن

ما انفكت كلمة الاستشراق، ولا زالت، منذ كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق” المنشور في العام 1978 تدل على المفهوم السلبي وتنطوي على التفاسير المضرّة والقديمة للحضارات الشرقية والناس الشرقيين. الأمر الذي يغذي عن قصد تلك النظرة الدونية للمجتمعات الغربية تجاه البنى الثقافية للشرق من وجهة نظر الآخر البعيد، لكن أن يتواطأ الكاتب العربي مع القارئ الغربي، من خلال قدرة الأول على معرفة ما يريده الثاني، فتلك مسألة أخرى، تبدو عبثية لكنها موجودة.

لم تكن ترجمة كتاب حكايات “ألف ليلة وليلة” إلى اللغة الفرنسية عام 1704 مجرد حدث عادي في تاريخ العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب، نظرا للأثر الكبير الذي خلفته في تكوين صورة الآخر المختلف في المخيال الغربي. وسيكون للاستشراق الغربي التشكيلي والأدبي والديني دوره في تعميق هذه الصورة وتعزيز حضورها وتنميطها حتى أصبح العقل الغربي عاجزا عن التخلص من تأثيرها.

إن هذه الصورة النمطية التي أصبحت تؤطر صورة الشرق في وعي الإنسان الغربي ما زالت تعبر عن نفسها في عملية التلقي والاستقبال لكل ما يمكن أن يكتب عن هذا الشرق، خاصة إذا كان الكاتب أو الكاتبة من أبناء هذا الشرق، ويجيد استخدام هذه الصور النمطية في ما يكتب عنه.

صورة نمطية

تكوين صورة الآخر المختلف في المخيال الغربي
تكوين صورة الآخر المختلف في المخيال الغربي

إن هذا الصدى الذي تجده في هذه الكتابات عند القارئ الغربي لا ينبع من القيمة الأدبية والجمالية لها، لاسيما الروائية منها، بل من قدرتها على تقديم الصورة التي يبحث عنها هذا القارئ ولا يريد أن يرى عالم الشرق إلاّ من خلالها، سواء لغاية البحث عن الغريب والإثارة، أو رغبة في رؤية ما يطابق النموذج الذي استقر في ذهنه، ويمنحه الشعور بالتفوق والاختلاف عن الآخر.

لكن إذا كان العقل الاستشراقي الغربي يستند في رؤيته هذه إلى جملة من العوامل النفسية والثقافية والتاريخية والسياسية، وبالتالي يمكن فهم الأسباب الموضوعية والذاتية التي ساهمت في تنميط هذه الصورة واستمرارها، فإنه ليس مفهوما أن يكون الاستشراق العربي الذي ما زال البعض من الكتاب الذين استقروا في الغرب يحاولون التماهي معه، ويؤدون الدور الذي يعزّز هذه الصورة النمطية، وكأن الشرق لم يغادر هذا الإطار القديم من البؤس والتخلف والعيش خارج الحداثة والتطور.

هؤلاء الكتاب الاستشراقيون الذين باتوا يبيعون الغرب البضاعة التي يريد، هم في حقيقة الأمر يحاولون أن يخرجوا من جلودهم في محاولة للتعويض عن النقص الذي يجعلهم استشراقيين أكثر من مستشرقي الغرب.

كاتبة من بلد عربي لم تكد تصل إلى بلدان الغرب حتى بدأت بكتابة رواية عن جرائم الشرف التي ترتكب بحق المرأة، مدعية أن هذه الرواية التي تكتبها هي روايتها التي دفعتها للهرب من بلدها واللجوء إلى الغرب. لكن هذه الحكاية الدرامية المؤثرة سرعان ما كشفت الصحافة هناك أنها حكاية مختلقة حاولت كاتبتها من خلال هذا الادعاء خلق حالة أكبر من التشويق والتعاطف معها والشهرة.

إن هذا الاستشراق العربي الذي يحاول أن يكون المرآة التي يريد الغرب أن يرى صورتنا فيها، كثيرا ما ينجح في أهدافه فيحقّق الشهرة الواسعة لأصحابها، حتى أصبح البعض منهم ينافس كتّاب البلد الذي يعيشون فيه من حيث الانتشار وحجم مبيعات أعمالهم والمردود المادي الكبير، بينما هناك كتاب يفشلون في هذه المهمة، ربما لأسباب تتعلّق بعدم معرفة طرق تحقيق هذه الشهرة في عالم تبحث فيه مؤسسات النشر عن الربح.

ولا شك أن هؤلاء الكتاب يجيدون القص ووصف التفاصيل التي تشكل عناصر إثارة وتشويق مهمة بالنسبة للقارئ الغربي، وهؤلاء يذكروننا بالأدوار التي يؤديها الحكواتي حيث يختلط التمثيل مع الخطابة في سرد حكايا “الزير سالم” و”أبي زيد الهلالي” وغيرهم في المقاهي القديمة. لقد كانوا يستخدمون كل وسائل الإثارة والتشويق والإيحاء لشد المستمع إليهم والتأثير فيه، وهو ما يقوم به البعض من الكتاب المتغربين الذين نجحوا في ذلك، لكن القيمة الأدبية والفكرية لهذه الأعمال التي حقّقت شهرتهم لا توازي ما أصبحت تتمتع به أعمالهم من شهرة وانتشار واسعين.

تواطؤ مُمنهج

إن إخفاء الوجه الآخر من الشرق والتعتيم على الجوانب الإيجابية في حياة مجتمعاته، هو تكريس لنمطية الصورة المعتادة عن الشرق
إإخفاء الوجه الآخر من الشرق هو تكريس لنمطية الصورة المعتادة عنه

في ألمانيا كما في فرنسا أو أستراليا أو غيرها من بلدان الغرب هناك تواطؤ يحدث بين الكاتب والقارئ، من خلال قدرة الكاتب على معرفة ما يريده القارئ الغربي، وهو ما يظهر من خلال أعمالهم التي تركز على العنصر الدرامي والإثارة والتشويق في حكاياتهم الاجتماعية والعاطفية التي يروونها، ولكن بصفتهم أبطالها أو خبروها.

وفي هذه الحكايات يظهر التركيز على ثيمات محددة تتعلق بالدين والعادات الاجتماعية والكبت الجنسي والمرأة، ما يجعلهم في هذه الاختيارات وطرق تقديمها يحاولون منافسة المستشرقين الغربيين في إضفاء عنصر الدراما والتشويق عليها.

إن إخفاء الوجه الآخر من الشرق والتعتيم على الجوانب الإيجابية في حياة مجتمعاته، هو تكريس لنمطية الصورة المعتادة عن الشرق، وقد كان يمكن لهؤلاء الكتاب أن يكونوا جسور تواصل ومعرفة بين الغرب والشرق من خلال أعمال الترجمة المتبادلة من أجل تغيير هذه الصورة النمطية وتحقيق التفاعل الإيجابي بين هاتين الثقافتين، لكن البحث عن أمجادهم الخاصة والشهرة والمنفعة جعلهم يختارون الدور الذي يختصر الطريق أمامهم لبلوغ هذه الأهداف، خاصة وأن الكتاب العرب لم يتوقفوا عن عرض قضايا الشرق الاجتماعية والسياسية والعاطفية في أعمالهم، لكن من منظور آخر وبطرق وأساليب مختلفة، لأنها تنطلق من وعي يسعى لتحرير الواقع من عوامل التخلف والضياع والقهر وليس بهدف استثمار هذا الواقع.

يمكن للقارئ أن يتفهم أسباب هجرة هؤلاء الكتاب ولجوئهم للغرب، لكن ما ليس مفهوما أن يحاول البعض منهم تقديم أنفسهم وكأنهم كائنات أخرى، تتعالى عليه فلا ترى فيه إلاّ هذه الصورة النمطية التي اعتاد الاستشراق الغربي على تقديمها من موقع المركزية التي يمثلها. لذلك لم يحمل هؤلاء معهم سوى شخصية شهرزاد التي تستخدم الحكاية وسيلة للتغلب على الشعور بالنقص ومحاولة التعويض عنه من خلال هذا الدور الذي يتحوّل فيه الشرق إلى مجموعة من حكايات الغريب والعجائبي والمثير التي تجد صداها العميق عند المتلقي في الغرب، وكأن هؤلاء الكتاب لا يريدون لهذا الشرق أيضا أن يغادر هذه الصورة، لكي لا تفقد حكاياتهم عناصر الإثارة والدهشة والتأثير، حتى لا يخسروا هذه الشهرة التي حقّقوها من لعب هذا الدور الاستشراقي الجديد.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا