الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الثورة الرقمية والنرجسية الجديدة Algerian Reporters: الثورة الرقمية والنرجسية الجديدة

الثورة الرقمية والنرجسية الجديدة

الثورة

يتحدث جميع المفكرين والأدباء والعلماء اليوم عن الثورة الرقمية، ثورة ربطت أطراف الأرض بعضها ببعض، وسهلت التواصل والتعبير، ولكنها خلقت نرجسية جديدة على نطاق واسع، نرجسية معولمة ومنغلقة في الوقت ذاته، قد تكون لها مضارُّ نفسية عميقة إذا لم يتمّ تجاوزها.

لا جدال أن الثورة الرقمية أحدثت انقلابا جذريا في حياة البشر، وفرضت عليهم أنماطا من السلوك كما لم تفرضها أيّ ثورة من قبل، ولكنها رغم الفتوحات الباهرة والخدمات الجليلة التي قدّمتها للبشرية، كربط أطراف كوكبها بعضها ببعض، وتيسير تواصلها وقضاء شؤونها، أوجدت مشاكل جديدة، ليس أقلّها الشعور بالانغلاق، وخلق ما أسمته عالمة التحليل النفسي الفرنسية كلوتيلد لوغيل “النرجسية الجماهيرية”، وهي نرجسية جديدة، معولمة ومنغلقة في الوقت نفسه.

فالملاحظ اليوم أن عالم الإنترنت، بشتّى مكوّناته، كالمواقع الاجتماعية ومواقع التعارف والزواج، تستقطب الليبيدو كله تقريبا، إذ يبدو الناس منجذبين إلى نظرة الآخر الذي يتأملهم من وراء شاشته، ويجدون لذة في عرض جوانب من حياتهم وخصوصياتهم لأصدقاء حقيقيين، وحتى افتراضيين.

من النادر ألاّ يفتتح إنسان اليوم نهاره بالتطلع إلى جهاز “السمارتفون” أو الأيفون” كي يعرف عدد اللايكات التي حصلت عليها تدوينته الأخيرة، أو صوره الحميمة التي نشرها على الملأ، ويعقب على تعاليق أصدقائه الحقيقيين والافتراضيين على الشبكة، فينتابه شعور بالغبطة أو الكآبة لأن صدى منشوراته يكيّف مزاجه.

نشر الأشياء الحميمة على الشبكة رهين التعاليق التي تطلق كيفما اتفق، باندفاع غريزي في أغلب الأوقات، ما يجعل صاحبها خاضعا لتقييم دائم من أصدقائه، وهو تقييم يفترض أن يغذّي نرجسيته، ولكنه في الواقع يجعله تحت رحمة أحكام الآخرين.

والشبكة، في إخراجها للحياة الخاصة بذلك الشكل، صارت “أنا عليا” جديدة، فالعلاقة معها تمثل بعدا نرجسيا دون شكّ، وتمثّل أيضا انفتاحا على فضاء لا ندري من يقيم فيه، يقوم مقام ذلك الملاحظ المجهول الذي يسميه فرويد “الأنا العليا”، وهي شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظا وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ، بعيدا عن الأفعال الشهوانية أو الغرائزية. يضاف إلى ذلك تسابق مستمر مع الآخر، من خلال البحث عن أكبر عدد ممكن من اللايكات والتعاليق، ما يمثّل رغبة متجددة في الاعتراف، لا تعرف نهاية، لأن الشبكة جعلت لكي لا تتوقف أبدا، ما يولّد لدى الأفراد نوعا من القلق والضيق الدائمين.

في “طور المرآة”، بيّن لاكان أهمية اللحظة التي يكتشف فيها الطفل صورته في المرآة، قبل أن يعي في فرح غامر أن له جسدا منفصلا عن الآخر، ما يعني أنه متميز ومفرد، ولكن مرحه ذاك لا يدوم، فانبهاره بصورته لا يكون بنفس الكيفية أمام المرآة، دون أن يعني ذلك أن نرجسيته زالت، بل إنّ إدراكه لذاته صار يمر عبر قدرته على قول “أنا”، وتبقى صورة جسده سندا خياليا. ولاكان يميز بين المتخيل والرمزي، بين الذات كتميّز عن الآخر، والـ”أنا”، الذي لم يعد مرتبطا بالصورة وحدها بل بكلام الآخر، ما يسمح له بالتموضع في عالم رمزي.

أما اليوم، في هذا العصر الرقمي الذي اكتست فيه النرجسية هذا البعد، فقد بات السؤال: أين توجد الـ”أنا”؟ تجيب كلوتيلد لوغيل بأن مشاركة الفرد حياتَه مع آخرين هي نوع من محاولة التفرّد، وحمل الآخر على الاعتراف به، ولكن في الأمر خدعة، لأن النرجسية إذا لم تنفتح على إمكان التنصل من تلك الصلة بالصورة تصبح قاتلة، فهي تحبس الفرد في سجن نرجسي يجعله لا يهتدي إلى تحقيق رغبته، فلا يرى الرغبة إلا في صورة الآخر، وفي ما يُريه إياه الآخر، وهذا لا يزيده إلا عذابا. ففي تلك المواقع، لا ينفك مستعملوها يظهرون إلى أي حدّ يتمتعون بالحياة، دون أن يعيروا اهتماما لما يلقاه غيرهم من حرمان، أو مآسٍ، وما يعانونه من أمراض وآلام.

هذه النرجسية الجديدة تتميز عن الأشكال النرجسية القديمة لكونها تجاوزت ما كان لاكان يسميه “الصغار الآخرون” وخلقت أنوات مضاعفة، لا تتألف من الأصدقاء الخُلّص أو من المنافسين المقربين فحسب، وإنما أيضا من عدد كبير من الأصدقاء الافتراضيين، ما ضخّم هذه النرجسية حدّ الشطط، وولّد مزيدا من القلق والضيق.

 لقد حدّد لاكان ثلاثة أبعاد للفرد: البعد النرجسي الأساس الذي يمر عبر نظرة الوليّ ويقيم علاقة مع الآخر. والبعد الرمزي الذي يمر عبر الكلام والتعبير عن الرغبة قولا. والبعد الغريزي الذي يؤدي الإفراط فيه إلى خنق الرغبة والفرد معًا. فكلما ازداد الاندفاع الغريزي صار المرء أداة لغريزته، وسار بإرادته إلى النهاية، كالسائر إلى حتفه بظلفه، على غرار نرسيس، بطل الأسطورة كما رواها أوفيد في “التحولات”.

قد يستغرب بعضهم أن يكون لتلك الأدوات التكنولوجية البسيطة هذه الآثار العميقة، ولكن الواقع يثبت أنها ليست بتلك البساطة، فهي امتداد للجسد، وما النرجسية إلا مسألة جسد، لا مجرد حبّ للذات، فالمرء الذي يفقد اليوم هاتفه، أو ينقطع عنه الوايفي يحس أنه خرج من حقل الآخر، وغادر الرابط الاجتماعي.

لئن كانت النرجسية ضرورية لتكوين الفرد، فإنها تصبح قاتلة ما لم يتمّ تجاوزها، ولا يكون ذلك حسب عالمة التحليل النفسي الفرنسية إلا بإضفاء قيمة على الرغبة والكلام، والاستعاضة عن الشبكة بالأدب والفن والسينما والمسرح، وكلّ ما من شأنه أن يساعد المرء على اكتشاف ذاته.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا