الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
ربطة عنق Algerian Reporters: ربطة عنق

ربطة عنق

ربطة

كبرت وأدركت أنني أصبحت نسخة عن أبي، حتى أنني اعترفت، بعد طول إنكار، أن لدينا نفس الأنف.. كنت أظن أن أنفي أصغر وأجمل.

اكتشفت أنه من الطبيعي جدا أن نشبه آباءنا وأمهاتنا، فنحن نحمل جيناتهم ولكن هناك شبه يصل حد التكرار.

أصبحت معجبة بأبي جدا.. وقد كان أبي بوالديه معجبا، معجبا كثيرا بذكاء أمه وجمالها ومدينا بكل شيء لوالده.. ذاك الذي شارك في الحرب العالمية الثانية، كمعظم الرجال في شمال أفريقيا مع فرنسا وعلق في ألمانيا 8 سنوات حتى ظنوا أنه مات.

عاد جدي يوما بسبب حبه الشديد لجدتي، كان صاحب عقلية متفتحة جدا، وكان من بين القلائل الذين أرسلوا بناتهم إلى المدرسة في أربعينات القرن الماضي في منطقة فلاحية نائية.

كبر أبي، وكان جدي حريصا جدا على تعليمه، رغم تواضع إمكانياته، كان يشتري له كرة كل عطلة صيفية ويقول له الآن العب وادرس فقط لم يحن وقت العمل بعد، لا تشتغل عند أحد. كان أبي بدوره يظن أن التعليم هو أقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير أنفسنا وبلادنا وحتى العالم.

أذكر أنه حين كان عمري عشر سنوات تعلمنا في درس الفرنسية كلمات حفرت في ذهني قالتها الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوارOn ne naît pas femme on le devient ” نحن لا نولد نساء لكننا نصبح كذلك”.

لم أفهم ما عَنته المقولة، وطلبت من أبي شرحها يومها قال “أنت فتاة جميلة، كوني ما تريدين لا ما يريدون، اغضبي ممن يدوس كرامتك وأوقفيه عند حده”.

نُلقّن يوميا درسا مفاده ضرورة كبح جماح غضبنا، فقد يؤدي إلى تدميرنا. إن هذا الكلام صحيح، لكن من الصحيح أيضا عدم كبت غضبنا. إن أولئك الذين لا يسمحون لأنفسهم بالشعور بالغضب أو من يبطنونه بداخلهم ويسمحون للآخرين بإهانتهم من دون أن يكون لهم رد، لا يختلفون عن الحيوانات التي تقاد في شيء.

يجب أن نغضب، لأن ذلك شعور طبيعي إنساني أكثر من عادي.

عرفت يومها معنى الغضب. كان الدرس يقول إن غضبي سيكون محرارا يُحذّرني من الإهانة والتهديد ‫والتجريح والأذى.

عرفت في ما بعد أن تلك الكلمات كانت تصوّر أبي لعالمي.

أردت أن التحق بالأكاديمية العسكرية حتى يكون لي مسدسي الخاص مثله. كنت معجبة جدا بحمالة الجلد التي يضع فيها المسدس تحت سترته.

كان اللعب بعُدّة عمله متعة.. اكتسبت مهارة وضع “الكلبشات” في يدي أخي بسرعة. حتى أني جرّبت يوما مفعول علبة الغاز المسيل للدموع برشّها في وجه أختي.

أما أسعد الأوقات فكانت تلك حين أعرف أن أبي عاد بمسدسه إلى المنزل. أخرجته إلى الحي متفاخرة يوما ومن ألطاف الله أني لم أتهور كما هي العادة لأثبت للمستهزئين أنه حقيقي وليس لعبة.

تقاعد أبي من عمله لكنه لم يتخل لا عن التزامه ولا عن ربطة عنقه.

كان يذهب إلى وسط البلد مرتديا ربطة عنق وأكاد أجزم أنه الوحيد في قريتنا الصغيرة التي يلبسها، لم يستطع التخلي عن هذه العادة. يدخل في مهاترات مع أناس يتكلمون ويتكلمون.. دون انقطاع. يعود غاضبا جدا من أناس لا يفهمون أبدا معنى الالتزام بحب تونس لا الأحزاب. قال يوما “الآن عرفت لماذا رجل بمسدس يسيطر على ألف دون مسدس”.

اعتزل أبي المقهى أيضا، فلم يعد يتحمل أكثر، مثلما اعتزل مشاريعه الفلاحية التي فشلت كلها.

تفرغ الآن لإعداد توابل منزلية لذيذة جدا يهتم بكل تفاصيلها حتى أنه يجفف الورد ويضعه فيها ويقول إنه سينتخب من يعيد تونس خضراء ورائحتها فوّاحة كالورد.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا