الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
توحُّد Algerian Reporters: توحُّد

توحُّد

توحُّد

كثيراً ما نفكّر في الأطفال المصنفين علمياً في السنوات الأخيرة كـ”متوحدين”، على أنهم كائنات مختلفة عن بقية الأطفال الطبيعيين، أو أنهم أشبه بذوي الاحتياجات الخاصة. على أن تفكيراً من هذا النوع يعود إلى انسحاقنا أمام نظريات وقتية سرعان ما يثبت العلم بطلانها كما انكشفت خرافة ضرر جهاز الميكروويف وتسبّبه بالسرطان.

والتفكير المنصف يُظهر أن التوحّد، ليس حالة استثنائية، بل هو درجات متفاوتة يمكن تعميمها على البشر كلهم. فكلنا متوحّدون، بهذا الشكل أو ذاك، ولكن ليس بنفس النسب.

وحين نتتبّع صفات الطفل المتوحد، نجد أنها تتمحور حول “عدم إظهار الطفل المصاب بالتوحّد الملاطفة الاجتماعية والتودد المتوقّع من الأطفال العاديين”. ولكن في الواقع من لديه المزاج الكافي في مثل هذه الظروف العربية والعالمية للتفاعل والتودّد والملاطفة التي يتحدث عنها العلماء؟

أما لعب الطفل وحده وعزلته عن الآخرين، بحيث “لا يسمح لأحد بمشاركته لنشاطاته التي يقوم بها”، فهي صفات راسخة في الإنسانية، والعربية منها تحديداً. ونكاد لا نرى مظهراً واحداً في المشهد العربي يخلو من تلك الخصلة.

وما يسرده العلماء حول المصاعب التي تواجه الطفل المتوحّد في تمييز الأبوين عن باقي الناس، هي أيضاً مشكلة هوية ووعي هوية لم يحسمها العرب بعد. بل لم يحسمها البريطانيون أنفسهم اليوم أمام أوروبا. على سبيل المثال.

وكيف لا يعاني طفل متوحد من نقص المهارة في كسب الأصدقاء، وهو يرى أن أبويه ومجتمعه وعالمه لا يقوم على الصداقة بل على الانتهازية؟

يضيف هؤلاء أن الطفل المتوحد تتسم سلوكياته الاجتماعية بـ”عدم اللباقة”. وأين هي اللباقة في العالم كله اليوم؟ ونحن نرى كيف يطرد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر صقوره شراسة جون بولتون عبر تغريدة على تويتر؟ أيّ لباقة لا يمارسها الكبار وننتظرها من طفل غضّ طري العود؟ هل نتابع؟

يقولون إن الطفل المتوحّد يتأخر بتطوير لغته الخاصة، بحيث يصعب عليه استخدام لغة للتواصل مع الآخرين. وهنا لا ضرورة لتذكير الجميع بأن العربية وهي لغة القرآن الكريم والتراث المعرفي العربي كله، تتعثر اليوم بسبب تراجع ثقة أهلها بأنفسهم، ويجري اختراق بنيتها كل لحظة عبر مفردات من هنا وهناك تعكس التأخر العلمي العربي، وقصوره عن تقديم حصّته من الواجب الإنساني الحضاري العام.

التوحّد باختصار هو الاغتراب، وهو ما نعيشه جميعنا، وبهذه المناسبة نستحضر روح الشاعر العربي الكبير المتنبّي، أشهر المتوحّدين على الإطلاق، الذي قال “أنا من أمة تداركها الله، غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ”.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا