الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الأم مؤلفة بطبيعتها Algerian Reporters: الأم مؤلفة بطبيعتها

الأم مؤلفة بطبيعتها

الأم

مع غياب الشمس، حين يطرق الليل أبواب البيوت، وتتقافز نسمات هواء رقيقة تتسلل عبر النوافذ، ومع محاولة تهدئة الأطفال وتهيئة الأجواء للخلود إلى النوم، تبدأ الأم عملا تلقائيا بلا تفكير، تتحول إلى راوية، قاصة، مؤلفة وأديبة، بعض الأمهات يعدن إنتاج وقص الروايات والحواديت القديمة، وبعضهن الآخر يستعن بالخيال لاستكمال ما انفرط من عقد الحدوتة، وبعض مثقفات منهن يجدن حفظ الروايات وقصص الأطفال العالمية، فيقصصنها على الصغار.

كثيرات لا ينتظرن الذاكرة لتسعفهن بل يلجأن إلى تعويض ما تاه منهن من أحداث وفق قريحتهن في التآليف، والتجويد في الحكي، والسرد.

كان الولدان مازالا في المرحلة الابتدائية، يوم ألفت لهما قصة الأميرات الثلاث، وبالطبع غلفتها بطابع ديني وسطي يمكنني من تمرير ما أريده من قيم ومبادئ على هواي.

كنت أربي الطفلين بالحكي، ففي السرد ملاذات أرحب بكثير وأكبر اتساعا من النصائح المباشرة الجامدة، السردية المشحونة بالقيم أسرع من ألف قول مباشر، الإنسان بطبعه متمرد لا يرحب بالنصيحة مطلقا إذا جاءته مباشرة، بيد أنه يتلاقاها ويعمل بها إذا حملتها أجنحة الحكي.

لم يخطر ببالي مطلقا أن أكتب قصصا للأطفال إلا حين قذفتني الحاجة في بحر القص المصغر والحكي الموجز المستوعب للوقت القصير بين جلوسنا على الأسرة في هدوء، وبين خلود إبنيّ للنوم.

ثم ألحقتها بقصة طويلة على حلقات بعنوان “تامر الأنتوخ”، ثم “مملكة الكسل”، و”جزيرة أنتاخيا” كنت أنفر ولديّ من الكسل بشكل غير مباشر للاستفادة من وقتهما في هذه السن الصغيرة، واعتياد النشاط.

وجدتها حيلة ذكية للغاية لقول كل ما أريد قوله ليس عن الطريق المعهود من إلقاء النصائح أو توجيه اللوم.

ظلت قصصي حبيسة عقلي، لا يفرج عنها سوى السرد العفوي، وحفاظا عليها من النسيان دونتها في أوراق بقيت على وفائها فلا ترهقني بالخوف من فقدانها كتلك المحفوظة بين أزرار لوحة المفاتيح، المدونة في صفحات إلكترونية حمقاء قد يفسدها هكر عابث أو فيروس متسلل، حتى أغراني ابني بنشرها بين دفتي كتاب ملون يحمل توقيعي.

كثيرات من صديقاتي يقصصن على أبناهن قصصا مختلقة من الخيال، جميعهن يضفرن حكايا منفرطة التقطن بعض خيوطها من أحداث يومية متعاقبة، مواقف حياتية بسيطة لا تمر هكذا مرور الكرام.

علمتني أمي بالسرد ما لم نصبر عليه بالنصح والتوجيه المباشر، وهذا ما يفسر سر نجاح برامج الأطفال المعتمدة على الحكي وحصدها للكثير من المشاهدات، وما وإزدياد أعداد المشاهدين والمستمعين لها يوما بعد يوم إلا ثقة في الروايات والقصص.

نحن جيل تربينا على صوت الجدة الحكاءة، وما تبعها من حصافة الأمهات في توجيه أبنائهن دون الاعتماد على الأساليب التقليدية المعتادة والمملة، نساء استبدلن الضجر بالمرح والدعابة.

كانت القصص تحمل قدرا لا يستهان به من العمق والفكر واستخلاص التجارب، حتى الدراما ذاتها لعبت دورا كبيرا في ترسيخ مثل هذه المفاهيم عن جدوى الحكائية في التعلم ونقل الخبرات.

شكلت الحكاية جانبا كبيرا من الضمير البكر للأطفال، وتجسدت أمامهم مبادئ وقيم وتقاليد وأعراف وعادات ربما لم يسمعوا بها إلا عن طريق الحكي.

فالسارد الذي يكون الأم أو الجدة في أغلب الأحيان ساهم بنصيب الأسد في تشكيل الوعي الجمعي لأجيال تربت على الحواديت وجلسات السمر، باختلاف البيئات والثقافات والملاءة المالية والرؤى والأيدولوجيات، الكل تجمعه الحدوتة وتنفره النصيحة الموجهة.

من فوائد تربية الأبناء على الحكي ومن منجزات السرد ذاته، خلق جيل مبدع قادر على إعمال العقل واستخلاص الحكمة من الموضوع، ينمي القدرة على الاستنباط.

وتعلم الخطوط العريضة وفن التفاصيل، وجماليات اللغة والوصف، القدرة على التخييل والإبداع، وإشعال الذائقة الفنية والأدبية.

بعد فترة من التذوق للفن القصصي، تنشأ علاقة تبادلية بين الطفل والنصوص الأدبية، يستطيع أن يضيف لها ويأخذ منها، يتعلم التوصيف الأكاديمي للكتابات، بناء نص تعبيري رصين ومتماسك، يضيف لمخزونه المعرفي، وتساعده الخبرات التراكمية لأبطال القصص في القدرة على التعبير الجيد عن المشاعر.

بنظري أن اعتياد الطفل على الاستماع للحكي، والاستمتاع به، ومن ثم ترديده يخلق لديه طاقة إبداعية هائلة قد تفرز كاتبا، أديبا، أو فنانا، وأضعف الإيمان متذوقا للأدب. الطفل الحكاء محب بطبعه للغة والتعبيرات اللغوية والجمل التركيبية، لديه قدرة كبيرة على إبداع نصوص إنشائية وموضوعات تعبيرية ذات مدلولات قوية، رصينة وموجهة.

في حوار لي مع الرائع نجيب محفوظ، قال صاحب نوبل: علمتني أمي بالحواديت، وزيارة المتاحف والآثار والأسبلة والمساجد القديمة، تشكلت موهبتي في الأزقة والحارات وبين فنون القاهرة القديمة.

لا تستهيني أو تقللي من حواديت جدتك. في ظني، أضيفي عليها ما يثريها ويجعلها أكثر تطريبا لأذن الطفل، منها يتعلم فن القيمة، وروح الدعابة، وكيف يقص عليك يومه، هكذا كانت تصنع الأمهات أدباء العصر الذهبي.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا