الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
بين قصر الغني وقبو الفقير.. كيف استطاع "Parasite" تفسير الحقد الطبقي؟Algerian Reporters:بين قصر الغني وقبو الفقير.. كيف استطاع "Parasite" تفسير الحقد الطبقي؟

بين قصر الغني وقبو الفقير.. كيف استطاع "Parasite" تفسير الحقد الطبقي؟

بين

لسنوات طويلة، عوّدنا المخرج الكوري بونج جون هو على أن تسافر أفلامه لمساحات خيالية بعيدة، حيث تدور أحداثها في عوالم غريبة، ويقع في القلب منها وحوش وكائنات غير معتادة. في فيلمه الأخير "طفيلي" (Parasite) الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان، آثر أن يعود مرة أخرى ويحط على أرض الواقع. لكن، مَن قال إن الواقع لا يملك وحوشه الخاصة به أيضا؟

 

حول واحد من هذه الوحوش تدور أحداث فيلم بونغ. قد لا ترى هذا الوحش للوهلة الأولى، فمن أهم صفاته أنه يتخفى داخل تفاصيل كل يوم حتى تعتاد عيناك صفاته القبيحة وتحسبها عادية، لكنك إن أمعنت النظر، سيتكشّف أمامك على الفور: إنه النظام الرأسمالي الحديث ذاته.

  

في هذا النظام، من الممكن أن تتشارك أسرتان الفضاء ذاته، وهما يسكنان عوالم مختلفة تمام الاختلاف. هذا هو حال أسرتي "كيم" و"بارك"، اللذين يقبعان في القلب من أحداث فيلم "طفيلي". ففي المدينة نفسها، تعيش أسرة كيم في قبو ذي سقف واطئ لا يرى الشمس سوى من نافذة واحدة، مكدسين في منزل صغير لا غرف فيه ولا أبواب، وغير بعيد عنهم، تسكن عائلة بارك، في بيت فاره مُكوّن من طابقين وحديقة واسعة صمّمه مهندس ديكور شهير.

    

تصير المسافة بين الأسرتين أصغر وأصغر عندما يستطيع كي-تيك ابن عائلة كيم، بتزكية من زميله الموسر، أن يحصل على وظيفة مدرس خصوصي لدا-هاي، ابنة عائلة بارك. وبعدها، وبمزيج من الحيلة والدهاء، ينجح بقية أفراد الأسرة في توظيف أنفسهم جميعا لدى عائلة بارك. فتعمل كي-جونغ أخت كي-تيك مدرسة رسم لـدا-سونغ أخو دا-هاي، ويستبدل الأب سائق السيد بارك، وتستبدل الأم خادمة العائلة. لكن، حتى بعد أن تسكن العائلتان البيت نفسه، تظل الهوة التي ولّدها المجتمع الرأسمالي بينهما على حالها.

   

    

عند تلك الهوة، يضع بونغ كاميرته، ويعود مرة أخرى لثيمة الصراع الطبقي التي سبق وناقشها في فيلم الخيال العلمي "سنوبيرسر" (Snowpiercer)؛ لكنه يترك هذه المرة عناصر الخيال العلمي والشخصيات الخاضعة لقوالب طبقية حادة التي وقعت في القلب من الصراع، ويستبدل بها واقعنا المعاش وشخوصه الحقيقية. يقول بونغ: "في سنوبيرسر استطعت أن أوصل رسالتي للناس بشكل واضح وقوي. لكن في "طفيلي"، أردت أن أقترب من المسألة على مستوى آخر، أردت أن أنظر عبر مجهر لكل زاوية من زاويا البشر، أن أبصر أكثر المواضيع شمولا عبر أصغر العدسات".[1]

   

حواجز لا نراها

ربما ليس من المصادفة ما صرّح به بونغ في حوار سابق من كون فكرة فيلم "طفيلي" قد واتته أثناء المراحل الأخيرة من إنتاج فيلم "سنوبيرسير"؛ فالثيمة المسيطرة على الاثنين واحدة، مع الاختلاف الكبير في التناول. فعلى العكس من رمزيات "سنوبيرسر" الصارخة والقوالب الصارمة التي يضع فيها الشخصيات من غني مستغل وفقير مغلوب على أمره، نجد بونغ في "طفيلي" يأخذ اتجاها أكثر هدوءا، يجعله أقدر على التعبير عن الصراع الطبقي بشكل أعمق وأكثر اقترابا من الواقع.

  

فمثلما هو الحال في واقعنا المعاش، الحواجز التي تفصل الطبقات في "طفيلي" لا تبدو صارمة؛ عائلة كيم استطاعت اختراق عالم عائلة بارك والعبور من القبو للبيت الفاره بسهولة. الطبقات هنا لا تفصل بينها أبواب حديدية يحرسها مسلحون مثلما هو الحال في "سنوبيرسر"، ومن ثم يصير العبور من طبقة لأخرى أمرا بالغ السهولة، أليس كذلك؟

  

ليس تماما. لا يعني دخول عائلة كيم عالم عائلة بارك زوال الحواجز بينهما، فأبناء العائلة الثانية لا يعدون كونهم مجرد خدم لأبناء العائلة الأولى. لكن، وهنا تكمن المشكلة التي يسلط عليها بونغ الضوء، في الظروف الاقتصادية التي تحيط بالعالم الآن، تصير أقصى أحلام عائلة كيم هو الاحتفاظ بوظائفهم كخدم لعائلة بارك. الصراع هنا، في النصف الأول من الفيلم، ليس بين عائلة كيم وعائلة بارك، بل عائلة بارك وغيرهم من المعدمين والعاطلين.

  

  

الحواجز بين الطبقات لم تذب؛ إنها موجودة أكثر من أي وقت مضى. لكن بينما خلقت الأنظمة الاقتصادية فيما مضى حولها خطابا ينظر لتلك الهوة بين الطبقات كشيء بغيض يحاول التغلب عليه، صار اليوم النظام الرأسمالي ينظر لمن هم في أسفل السلم الطبقي ويقول: "الدرجات أمامكم. اصعدوها لو أردتم أن تحظوا بحياة أفضل. ليست مشكلتنا أنكم مجموعة من محدودي الذكاء المتكاسلين".

  

لكن، وهذا ما يذهب إليه بونغ في فيلمه، أن تطلب من الفقراء صعود السلم الطبقي في الوضع الحالي لا يختلف كثيرا عن طلبك من أعرج أن يتسلق جبل إيفرست،، فكما قال بونغ نفسه في أحد الحوارات: "في مجتمع اليوم الرأسمالي، توجد تراتبية وطبقية تخفى على العين؛ نحاول دائما أن نُخفي هذه التراتبية ونغض البصر عن تلك الطبقية وكأنها أشياء عفا عليها الزمن. لكن، في الواقع، لا تزال الحواجز بين الطبقات موجودة ويستحيل عبورها".[2] [3]

  

المشكلة ليست في الفقراء أنفسهم، بل في كون كل شيء في النظام الرأسمالي مصمما ليحكم على مساعيهم بالفشل، وبعدها، يعود ليلقي عليهم اللوم. وهو ما نراه بوضوح في أحداث الفيلم. كي-تيك وكي-جونغ على درجة عالية من الذكاء، ومع ذلك فشلا في الالتحاق بالجامعة؛ الأم كانت رياضية ولم تحصل على الدعم لتنجح؛ والأب أنشأ مشاريع كثيرة صغيرة باءت كلها بالفشل.

   

هنا، في ظل محدودية الفرص أو بمعنى أدق انعدامها، تصير الطريقة الوحيدة أمام عائلة كيم لتصعد ولو خطوة صغيرة على السلم الطبقي هو جر أولئك الذين يقفون على تلك الخطوة للأسفل، وهو ما يفعلونه بلا تردد. يشغل الأب وظيفة سائق السيد بارك والأم وظيفة مدبرة المنزل، بعد أن تآمرت عائلة كيم ونجحت في الإيقاع بالسائق والمدبرة السابقين والتخلص منهم ليحلوا محلهم. فحتى تترقى عائلة كيم درجة، كان على أحدهم أن يهبط درجات. من هنا، تنشأ سلسلة الصراعات الطبقية في الفيلم، والتي يدخل فيها العنف والدماء لا محالة.

  

  

قد تقف للتساؤل بعد النهاية، مَن المذنب هنا؟ كأي صانع أفلام واعٍ بالواقع، تأتي إجابة بونغ في "طفيلي": لا أحد. فبعيدا عن القوالب المنمطة للأغنياء الأشرار والفقراء المظلومين التي يقدمها صناع الأفلام في تلك الحالات -وقدمها بونغ نفسه في "سنوبيرسر"- نجد الأثرياء من أفراد عائلة بارك، والفقراء من أفراد عائلة كيم، كأي عائلتين عشوائيتين قد تقابلهما أثناء سيرك في شوارع مدينتك: ليسوا بالشياطين ولا بالملائكة.

  

فكما يقول بونغ نفسه عن فيلمه في أحد الحوارات: "حتى وإن لم يكن هناك شرير، يمكن دائما للكوارث أن تقع".[4] وإن كنت مصمما أن تجد الشرير الحقيقي، فليس عليك أن تنظر أبعد من الوحش الذي اختاره بونغ ليضعه في القلب من فيلم "طفيلي"، النظام الرأسمالي المعاصر، ذاك الذي حكم على أفراد عائلة كيم بأن تكون أقصى أحلامهم أن يحيوا حياة كالحياة، ولم يترك لهم طريقا واحدا مستقيما ليصلوا لمبتغاهم، فلم يجدوا أمامهم سوى سلوك الأزقة الخلفية المعتمة المرصوفة بالاحتيال والملوّثة بالدماء.

  

كل تلك الأفكار التي ضمّنها بونغ جون هو في فيلمه "طفيلي" جيدة ومتسقة فيما بينها. لكن وبما أننا أمام عمل فني وليس فكريا، يبقى علينا أن نتساءل: كيف سخّر أدواته السينمائية ليُعبّر عنها بجماليات تنأى عن المباشرة؟

  

روائح تهدم كل شيء

بين يدي مخرج أقل حساسية من بونغ، ربما انتهى فيلم "طفيلي" كمحض عمل فني آخر يغلب فيه الفكر على الفن وينحو منحى الخطابة. لكن، وبما أننا نقف أمام مخرج بارع، فقد وظّف بونغ كل عناصر صورته لتخدم المعنى الذي أراد بشكل هادئ وعميق يدخل لصميم المعاني دون أن يحيطها بخطب رنانة وعبارات جوفاء.

    

  

نجد ذلك بوضوح في اختيار بونغ لبيتي العائلتين. فتسكن أسرة كيم في قبو تحت الأرض، وتعيش عائلة كيم في بيت أعلى تلة. ومن هنا، ينطلق بونغ في صنع صورته السينمائية التي تخبرنا دون كلمة واحدة كيف تسكن كل واحدة من العائلتين في عالمين، يتشاركان المدينة نفسها، ويقعان على طرفي النقيض في كل شيء.

  

فقبو أسرة كيم مصمت لا أبواب له ولا نوافذ عدا نافذة صغيرة متسخة، تطل على حي خَرب وزقاق يتبول عنده سكير كل يوم، ومن ثم نجد الإضاءة في بيتهم تغلب عليها العتمة. أما بيت عائلة بارك، فله زجاج شفاف يطل على حديقة واسعة تسطع فيها الشمس طوال الصباح وتغمره بضوء أبيض. وانعكاسا لضيق بيت أسرة كيم ذي السقف الواطئ، نجدهم غالبا يتشاركون الإطار نفسه جالسين أو مستلقين على الأرض، يصورهم بونغ من زاوية منخفضة لقطات متوسطة، أما في بيت عائلة كيم الكبير، يختار بونغ أن يصوّر من زوايا أعلى.

  

وفي اختيار جغرافية المكان مجازات عميقة يلعب عليها بونغ في أحداثه وحواراته. فالفقراء دائما متخفّون كالجرذان تحت الأرض، بعيدا عن ناظرَيْ الأثرياء الذين لا يلبثون أن ينسوا وجودهم ويتأذّون لأقل شيء يُذكّرهم بهم. ويحرص الفقراء بدورهم على مرأى الأثرياء أن يتخلصوا من كل مظاهر الفقر، فيبدو أفراد عائلة كيم أمام عائلة بارك مهندمين، يرتدون ملابس نظيفة بل وأنيقة أحيانا. شيء وحيد لا يستطيعون التخلص منه ويكشف عن عيشتهم المتواضعة؛ إنه الرائحة.

    

  

رائحة الفقر تنبعث منهم، رائحة الفقر والسكنى تحت الأرض والانتقال في وسائل النقل العامة مكدسين بين مئات الآلاف، رائحة عدم القدرة على الحصول على مياه نظيفة وشراء ملابس جديدة. إنها تلك الرائحة التي لا مهرب منها التي تهدم كل وهم عن انهيار الحواجز الطبقية، وتجعل البعض يخجل من جسده وما يصدر عنه، بينما يلوي الآخر وجهه في امتعاض.

 

تتشارك أسرتا كيم وبارك الفضاء نفسه، لكن عوالمهما المنفصلة تجعل لكل واحد منهم رائحته الخاصة. فتهطل الأمطار على الجميع في المدينة، لكنها في أحياء الأثرياء تغسل الشوارع وتنظف الحدائق التي تعطر رائحتها الهواء، وفي أزقة الفقراء التي لم تكترث لها الدولة فتوفر لها بنية تحتية، تمتزج مع مياه الصرف وتغرق كل شيء. المطر نفسه يهطل على العالمين، لكنه ينظف واحدا ويغرق الآخر أبعد وأبعد في أعماق الفقر والذل والحاجة. وتماما مثل تلك المجاري التي طفحت لتغرق كل شيء، جاءت لحظة التصاعد الأهم في الفيلم عندما ضاق ذرع الفقراء بكل شيء، وصارت التواءة وجه أحد الأثرياء تأففا من رائحة الفقر كافية للقتل.

  

رحلت الأسرة الثرية واستبدلتها أخرى، ورحل شبح القبو الفقير واستبدله آخر، لكن النظام الذي وضع كل من أولئك في مكانه ظل يدور، ليُعلي من شأن البعض، بينما يطحن البعض الآخر لمدى لا يعلمه أحد، فكما قال الفيلسوف سلافوي جيجيك: "من الأسهل أن نتخيل نهاية العالم على أن نتخيل نهاية الرأسمالية".[5]

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا