الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الاستعلائية تطبع العلاقة بين الفرنكوفونيين والمعربين الجزائريين Algerian Reporters: الاستعلائية تطبع العلاقة بين الفرنكوفونيين والمعربين الجزائريين

الاستعلائية تطبع العلاقة بين الفرنكوفونيين والمعربين الجزائريين

الاستعلائية

يبدو العداء بين الأدب الفرنكوفوني والأدب المكتوب بالعربية في الجزائر، كما في أغلب بلدان المغرب العربي، صراعا واهما، حيث لا يختلف الكتاب الفرنكوفونيون عن الكتاب بالعربية سوى في اللغة، لكنهم يتناولون القضايا نفسها، بل إن بعض الفرنكوفونيين ملتصقون بهموم بيئتهم الأصلية وأكثر جرأة من نظرائهم في اللسان العربي. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب الجزائري الفرنكوفوني مصطفى بن فوضيل حول الكتابة بالفرنسية وقضايا أخرى. 

يصر الروائي الجزائري مصطفى بن فوضيل على الإجابة باللغة العربية عن أسئلتنا وهو الكاتب بالفرنسية، لقناعته الراسخة أن لا فرق بين هاتين اللغتين إلا في الأسلوب وطريقة الكتابة، المهم أن تصل الفكرة سواء عبرت عنها بلغة مختلفة أو بلغة قريبة منك. وهو قارئ قريب للكل، مزدوج اللغة، ومطلع بشكل واسع على ما يصدره الكتّاب باللغة العربية وبالفرنسية، بالإضافة إلى ذلك فهو صحافي محترف متخصص في التحقيقات الكبرى والريبورتاجات.

لم يكن لبن فوضيل طموح ولا هاجس عندما ولج إلى عالم الكتابة، بل كانت هذه الأخيرة هي الهاجس الوحيد الذي كان يشغله، فهو كما يقول عن نفسه “لم تكن لدي غيرها، غير ذاتها، لم أتصور أبدا أن أكتب في الصحافة ولا المسرح ولم أكن أتبوأ مكانا في الفضاء العام. بدأت أكتب في منتصف الثمانينات بالكتابة الحميمية في يومياتي التي كنت أسجلها بانتظام لأزيد من 30 سنة، والشعر والقصة القصيرة والخواطر وبعض المحاولات الفكرية. في 1987 وأثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى كتبت أولى رواياتي وكانت مستوحاة من القضية الفلسطينية”.

وظيفة الكتابة

لا فرق بين اللغة الفرنسية والعربية
لا فرق بين اللغة الفرنسية والعربية

يقول مصطفى بن فوضيل “في 1994 التحقت بعالم الصحافة بعد تخرجي من معهد الإعلام، وواصلت الكتابة الإبداعية، ولكن بأقل مثابرة ذلك أنني عرضت مجموعة من أعمالي على دار لافوميك وتم رفضها. وفي 1997 كتبت رواية بعنوان ‘زارطة‘ أثناء أدائي للخدمة العسكرية، وصدرت هذه الرواية سنة 2000 مباشرة بعد إنشاء دار نشر ‘البرزخ‘ من طرف سلمى هلال وسفيان حجاج. هنا كانت البداية الفعلية لي ككاتب في بعده الاجتماعي. مباشرة بعد صدور ‘زارطة ‘ أولى مسرحيون اهتماما بأسلوبي، ومن هنا كانت لي تجارب عدة مع مخرجين مسرحيين وفرق مسرحية خاصة خارج الوطن”.

وأضاف بن فوضيل “أنا أكتب في الظلام ولست أدري بإحكام ما هي وجهتي بالتحديد عندما أشرع في عمل جديد. هوسي في الكتابة شيئان: اللذة (أو النشوة) وإحداث خلل في منظومة المألوف. وهذا من شأنه أن يقلق ويربك القارئ خاصة إذا كانت ميوله الأدبية تجعله يفضل القصة الخطية ذات الحبكة المثيرة على الـ‘لا-رواية‘ أو ‘الشبه–الرواية‘ والرواية من دون قصة”.

ويرجع الكاتب ذلك إلى مسيرته الشخصية نحو الكتابة فهي “لم تكن مسلكا خطيا متصاعدا ولم تكن مشروعا أدبيا خالصا. في تكويني الدراسي أنا ابن الرياضيات وكنت أمارس علم الفلك بنادي علمي بمدينة بوفاريك. وكنت أيضا مولعا بالفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا والتاريخ بقدر شغفي بالشعر والنثر والرواية. ولعل هذا المزيج في بنيتي الفكرية العميقة وتكوين مخيالي كان له تأثير قوي على الخيارات الشكلية والجمالية لأعمالي السردية ويتجلى هذا جيدا في بعدها التجريبي وبنيتها المعتمدة على عدة طبقات سردية وأنماط تعبيرية”.

ويضيف “من هنا أحاول أن أضع قدمي في مشهد أدبي زاخر بالأسماء اللامعة سواء باللغة العربية أو الفرنسية أو لغات أخرى. أسعى جاهدا إلى أن أنتقي أدواتي ومفرداتي واستراتيجياتي السردية على نحو يؤهلني لأن أقترح نصوصا لا أخجل بها كثيرا. وعموما لا أعتبر نفسي علامة فارقة خاصة بالنظر إلى أعمال محمد ديب لما بعد 1962 وأعمال آسيا جبار ونبيل فارس ويامينة ميشاكرة وعزيز شواقي الذي فقدناه مؤخرا”.

وعن مهام الكتابة ووظائفها، يعتقد مصطفى بن فوضيل أن وظيفة الكتابة الأدبية عنده تتمثل في “تفسير العالم أو تحديدا الواقع الجزائري، ثم الأدب فضاء لإعادة صياغة الحياة يحتل فيها الواقع، كما هو الحال في غالبية أعمالي، حيزا قيما ولكن بمفردات مغايرة ونحو وصرف وتركيب وترتيب يربك ويخلط ويبعثر أوراق وخطابات وجمل السرديات المهيمنة والوضع السيميائي والميتافيزيقي القائم، وقد مزجت بين سائر هذه الأجناس ولا أضع لنفسي قيودا مسبقة. أعتبر أن أي موضوع هو قابل للمعالجة الفنية بتعابير وأساليب شتى، ولكن تبقى هناك فوارق جوهرية تتضح جليا في الانتقال من الرواية إلى المسرح تحديدا. فالشخصيات والمواقف والحوارات والمعالجة الدرامية مختلفة تماما”.

صراع والحراك

القضايا ذاتها في جميع المجتمعات
القضايا ذاتها في جميع المجتمعات

“أنا مستاء بعمق من حدة الصراع بين الفرنكوفونيين والمعربين”، هكذا عبر الروائي بن فوضيل عن رأيه في الجدال القائم بينهما في الجزائر، ويضيف قائلا “هذه النظرة الاستعلائية لدى بعض الفرنكوفونيين الجاهلين تماما للحقل الإبداعي العربي معتبرين إياه مثقلا بالموروث الديني الرجعي. بالمقابل هناك من يرى أن الأدب المكتوب باللغة الفرنسية غريب على ثقافتنا وهويتنا، وهذا كذلك حكم قاس، يعبر عن جهل أصحابه للإنتاج الأدبي المكتوب بالفرنسية. فمن المجحف أن نقول على كتابات مالك حداد وبشير حاج علي وجان سيناك وكاتب ياسين وطاهر جاووت ومايسة باي وسليم باشي، إنها لا تمت إلى مجتمعنا بصلة. نادرا ما قرأت نصا زادني حبا في الأمير عبدالقادر كما فعل نص رياض جيرو ‘أعين منصور‘ بالفرنسية. ولما تقرأ رواية ‘1994‘ لعدلان مدي تشعر نفسك ابن حي الحراش”.

ويتابع الكاتب “بالنسبة إلي أنا أقرأ بشغف واهتمام كبيرين كل ما يصدر سواء بالعربية أو بالفرنسية وأرى في كلا الحقلين جودة وتمكنا وجرأة وتجديدا في الأشكال الفنية. قرأت لأمال بوشوارب وحميدة العياشي ولميس سعيدي وسمير قاسمي وصالح باديس وعمارة لخوص وعادل صياد وسعاد لبيز وبشير مفتي.. وبالفرنسية قرأت لهاجر بالي ومراد جبل والمهدي أشرشور وحبيب أيوب ومالك علولة وكوثر عظيمي وآخرين”.

ويرى مصطفى بن فوضيل أن الحراك في الجزائر “يمر الآن بأوقات عصبية بسبب الاعتقالات والرقابة الشديدة على القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية وأيضا حظر عدد من نشاطات جمعيات وأحزاب المعارضة”.

 ويعتقد أن أفضل ما يمكن للمثقف والكاتب في هذا الظرف هو “توثيق ما يحدث وهو ما أحاول فعله شخصيا والتنديد بجميع الخروقات والتضييق على الحريات”.

ونذكر أن مصطفى بن فوضيل صدرت له قرابة ثلاثين كتابا بالفرنسية موزعة بين الشعر والرواية والقصة والمسرح، إلى جانب عشرة كتب مشتركة. من أعماله الروائية “زارط”، “ثرثرات الأوحد” و”حفريات سديم العشق”، وله في القصّة “الرجل الذي أراد تغيير العالم عند الثامنة إلّا ربع”، وفي الشعر “كوكتيل كافكاوي”، وفي المسرح “رأي في الموت”، وقد صدر له آخر عمل روائي بعنوان: Body Writing-حياة وموت الكاتب كريم فاطيمي (1968–2014).

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا