الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الحكايات والتحايل على الزمن Algerian Reporters: الحكايات والتحايل على الزمن

الحكايات والتحايل على الزمن

الحكايات

هل البشر كائنات قصصية حقّاً؟ هل حيوات الناس حكايات مستمرة تمضي إلى نهاياتها المحتومة المتوقعة؟ هل الحكاية لعبة للتحايل على الزمن والموت؟ ألا ترسم الحكايات مصائر البشر بصيغة أو بأخرى؟ كيف تتحول بعض الأساطير إلى أحداث تاريخية توصف بأنّها موثّقة؟

تمتلك الحكايات قوة إقناع كبيرة، وتلعب دوراً في تهيئة الآخرين، القرّاء أو المستمعين، لتقبّل ما يُحكى لهم، وإدخالهم لعبة القصّ التي تمضي في دوائر متسلسلة تتجدّد كلّ مرّة بحسب الظروف المصاحبة.

إذا كان الموت هو النهاية التي لا مهرب منها، فإنّ الحكايات تمثل دروباً مفضية إلى النهاية المكتوبة، لكنها تتفنّن في حياكة التفاصيل وصياغة المصائر والحيوات، بحيث تجعل كلّ حياة عالماً بحدّ ذاته، وتشغل الآخر عن النهاية وتوهمه بأنّه قد يعثر على نهاية أخرى.

قد يكون طريق الحكاية أكثر متعة وتشويقاً من الوصول إلى نهايتها، لأنّ الطريق يتأسّس على جماليات التخييل التي تخلّق في عوالم لانهائية، وتلهي صاحبها عن المصير، تبقيه في دوّامة التفاصيل التي تزيّن له ماضيه وحاضره، وتبقيه متأهّباً بانتظار غده.

يلفت بعض الباحثين إلى أن القصص تجعل المجتمعات تعمل بشكل أفضل، بالتشجيع على التصرف بأخلاقية، وأنها تغمر الناس بالمبادئ والقيم القوية نفسها التي تغمرهم بها الأساطير المقدسة، ويرى أن البشر يعيشون قدراً عظيماً من حياتهم داخل القصص الخيالية، أي في عوالم يقر فيها الخير عموماً ويُثاب، ويدأب فيها الخير ويعاقَب. ولا تعكس هذه الأنماط قاعدة أخلاقية في نفسية البشر فحسب، بل إنها تعززها أيضاً.

لربّما يندرج كلّ فعل بشريّ في سياق حكاية الحياة نفسها، ولا يخفى أنّ هناك حكاية رابضة وراء فعل ما، تكون دافعة ومحرّضة وملهمة للبحث عن صيغ لإتمامها، أو تطويرها، وأحياناً تكون آليات بناء الحكاية أكثر إمتاعاً وفائدة من الحكاية عينها، لما تحمله من عبر ودروس حياتية، وحكائية معاً.

لا يتعلّق أمر الحكاية بكيفية الحكي، بقدر ما يتعلقّ بهويتها ككينونة تخطّ مصائر، وتحمل معارف، وتنحو صوب الأسطرة لتغدو عالماً بذاتها، أو مجالاً مفتوحاً على الإضافة والتعديل بحسب مقتضيات العصر. وقد يصحّ القول بأنّ الإنسان حكاية، وكل ما يأتيه أو يقوم به، منطلق من بؤرة حكاية أو مبني عليها.

طريق الحكاية أكثر متعة وتشويقا من الوصول إلى نهايتها، لأنّه يتأسّس على جماليات التخييل التي تخلق عوالم لانهائية
طريق الحكاية أكثر متعة وتشويقا من الوصول إلى نهايتها، لأنّه يتأسّس على جماليات التخييل التي تخلق عوالم لانهائية

لكلّ قصيدة حكايتها، ولكلّ قصة كذلك حكايتها، ولكل بحث حكايته، كما أنّ لكلّ دافع حكايته الخاصة بدوره، وهكذا فإنّ الحكايات تتخلّل مختلف جوانب الحياة، وتبلورها بطريقتها المختلفة كل مرة.

يقول الكاتب الأميركي جوناثان غوتشل في كتابه “الحيوان الحكاء.. كيف تجعل منا الحكايات بشراً؟” إن البشر كائنات قصصية، لذلك تمس الحكاية كل جانب من حياتنا تقريباً. ويبحث علماء الآثار عن قرائن في الحجارة والعظام، ويركبونها معاً، لسرد ملحمة عن الماضي. كما أن المؤرخين هم أيضاً حكاؤون، إذ يرى البعض أن الكثير من الروايات في الكتب المدرسية، مثل القصة المعروفة عن اكتشاف كولومبس لأميركا، شائعة بكل ما فيها من تحريف وحذف، حيث تصبح أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ.

ويؤكد غوتشل في عمله أنه يُقال للمديرين التنفيذيين باستمرار إن عليهم أن يكونوا حكائين مبدعين، وعليهم أن يحوكوا قصصاً أخاذة عن منتجاتهم وعلاماتهم التجارية التي تطرب مشاعر المستهلكين. ويلفت إلى أن المحللين السياسيين لا يرون الانتخابات الرئاسية بوصفها منافسة بين سياسيين مؤثرين وجدلاً بين أفكارهم فحسب، بل هي مباراة بين قصص متضاربة عن ماضي الأمة ومستقبلها أيضاً. وأن الباحثين القانونيين يتصورون المحاكمة باعتبارها مسابقة للقصة أيضاً، ويؤلف فيها المستشارون القانونيون قصصاً عن الذنب والبراءة، متنازعين حول مَن يكون البطل الحقيقي.

يقدم غوتشل بعض الاقتراحات التي بنى عليها بحثه، يقول متوجهاً للقارئ بشكل مباشر: اقرأ الأدب وشاهده، لأنه سيجعلك أكثر تعاطفاً وأكثر قدرة على خوض معضلات الحياة. ولا تسمح للأخلاقيين بأن يخبروك بأن الأدب يحط من نسيج المجتمع الأخلاقي. وتذكّر أننا بطبيعتنا متعطشون إلى القصة، وأنه عندما ننغمس عاطفياً في شخصية وحبكة، يسهل صهرنا وتشكيلنا.

كما يؤكد على أهمية الاحتفاء بقدرة القصص على تغيير العالم، وأن أحلام اليقظة هي قصصنا الخاصة الصغيرة التي تساعدنا على التعلم من الماضي والتخطيط للمستقبل، ويقول للقارئ: انتبه، حين يثبت حكاؤك الداخلي على مسنن التسريع، وعليه أن يكون مرتاباً بشأن نظريات المؤامرة ومنشورات مدونته، وروايات تبرئة الذات من العداء مع الزوجة وزملاء العمل. ويضيف: إن كنت شكاكاً، فحاول أن تكون أكثر تساهلاً مع الأساطير الوطنية والدينية، التي تساعد في ربط المجتمع معاً، أو على الأقل حاول أن تكون أقل احتفاء بفنائها.

يوصي القارئ كذلك بالذهاب للاستمتاع بالاستحالة الخيالية للمسار التطوري المتعرج الذي جعلنا كائنات قصصية، ويقول قد منحنا هذا كل الحيوية المبهجة الحركية للقصص التي نرويها. ويقول: انتبه بشكل أكثر أهمية، إلى أن معرفة قوة القص، ومصدرها وسبب أهميتها، لا يمكن أن تقلل من عيشك لها. ويقول بصيغة الأمر: اذهب وتِه في رواية، وسترى…!

ولعلّ ما يبقي الإنسان على أهبة الاستعداد لتطوير ذاته، هو جانب من التشويق الذي يبقي حكايته الشخصية معلّقة بانتظار أن يسرد تفاصيلها؛ يدوّنها بطريقة معيشة، يهيّئها لتكون مقنعة ومؤثرة، عساها تلهم آخرين واقعين في شراك اليأس، ولا يملكون مفاتيح للبحث عن حكاياتهم أو خلاصهم المأمول، بعيداً عن الموت الذي يحدّد خطّ النهاية مسبقاً، ويخيّم بظلاله القاهرة على البشر.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا