الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
"نيتشة العربي" غير مرحَّب به في الرباط Algerian Reporters: "نيتشة العربي" غير مرحَّب به في الرباط

"نيتشة العربي" غير مرحَّب به في الرباط

"نيتشة

اشتغلت كثير من الروايات والقصص والأفلام والأعمال الفنية على استعادة شخصيات من التاريخ وإقحامها في زمن غير زمنها، وهنا تحدث المفارقات التي تجعل من العمل الفني يمثل متعة الجمع بين زمنين ماض وحاضر، وكأننا أمام سلسلة متكاملة من الأحداث التي تنبني وكأنها أسباب ونتائج.

وجد المتنبي نفسه في شقة دكتور جاوز الخمسين من عمره ابتعد عن الحياة العامة، ليخلص إلى الأدب والفكر. وما أن استقر المتنبي معه حتى أخذ يسلقه بقصائده، التي لم تكن تفهم كلماتها خادمة الدكتور “محجوبة” لكنها عشقت هذا الذي بدت عليه سيماء الرجولة والنبل.

في هذا الإطار الفنتازي قدم الروائي المغربي حسن أوريد أبطال روايته “رباط المتنبي”، التي صدرت حديثا، وحمَّلها الكاتب زمن الماضي بكل أحداثه وأفكاره، ليأتي إلى الحاضر حاملا للأحفاد مضانّه، وتجربته ليضيفها إلى الواقع الحالي الذي يعيشونه. “رباط المتنبي” تجعل القارئ يعيش أيضا تجربة الاقتراب من شخصيات قرأ عنها في الأدب العربي، وشغفته أقوالها وأفعالها، كالمتنبي، وابن جني، وكافور، وسيف الدولة، وأخته خولة.

رسالة المتنبي

بدأت حكاية عودة المتنبي حين طرق البواب باب شقة دكتور جامعي يعيش رفقة خادمته محجوبة، في شقته بالرباط، بينما زوجته الطبيبة التي صارت علاقته بها فاترة، فهي تعيش بالدار البيضاء لمتابعة حالات مرضاها. وما أن فتح الدكتور الباب حتى عرف أن هناك من يسأل عنه عند باب العمارة، رجل يُدعى أبوالطيب.

يرتدي الدكتور معطفه، ويهبط إلى من يطلبه، فإذا هو وجها لوجه مع رجل يرتدي سترة جلديه، ويضع قبعة على رأسه، وحقيبة بيده، فيخبره بلغة عربية، أنه أبوالطيب المتنبي. ولأن لهجته لم تكن مغربية، وهي أقرب إلى العراقية، فقد ظن أن الرجل أحد النازحين من العراق. جاء يطلب المعونة بسبب ما مرَّ به العراق من حروب، اضطرَّت العراقيين للنزوح عن بلادهم.

أبوالطيب لم يخفِ هويته، فقد أخبر الدكتور، أنه جاء من زمن آخر، فظن الدكتور أن الرجل أحد المعجبين بشعر المتنبي، ممن اختلط لديهم الوهم بالواقع، فاعتقد ما اعتقد.

لكن الرجل أثبت له أنه أبوالطيب نفسه، بما ردده من قصائد بعد أن حاول الدكتور الضليع بشعر المتنبي، ومعرفة أخباره اختباره. فقد سأله عن سبب قوله أبيات شعرية معينة، قالها أبوالطيب، وفي أي مناسبة، فأجاب عن الأسئلة إجابات مقنعة. اقتنع الدكتور بعد تردد قصير بصدق هذا الرجل، الذي ادعى أنه المتنبي، بالرغم من أنه كان لا يصدق المعجزات.

المتنبي لم يجد أحدا من الأحفاد قد حمل رسالته، بالرغم من أن الكثيرين حفظوا شعره وعارضوا أقواله

يخبره المتنبي والإحباط في صوته، أنه إنما جاء من ذاك الزمان، مسافرا إلى الرباط، الذي يعتكف فيه الدكتور، ليتحدث للجموع المُنكبة على وجوهها من غير هدى. فهو لم يجد أحدا من الأحفاد قد حمل رسالته، بالرغم من أن الكثيرين حفظوا شعره، وشرحوا قريضه، وعارض البعض منهم أقواله، وتأثر بعض المجتهدين بمنهجه، لكنهم لم ينفذوا إلى روحه.

ويقع الدكتور في صراع بينه وبين نفسه، هل يضيّفه في سكنه أم لا؟ وهو الذي جعله شاعره الملهم له في فكره وعمله الأكاديمي وفي أغلب محاضراته. يقطع المتنبي عليه صراعه مع نفسه، قائلا له إنه سواء قبل ضيافته أو لم يقبلها، فهو لن يستطيع منعه من دخول شقته حتى لو أغلق بابها بالمفتاح، لأنه سيمرّ عبر الجدار.

حاول الدكتور أن يبعده عنه معتذرا، بأنه ليس من أرُومَته، متحججا للمتنبي بأصله الأمازيغي، وطلب منه أن يقصد عربيا مثله ليضيّفه. لكن المتنبي لم يقتنع برده قائلا له، إن اختياره أمر يخصه وسينفذه، فلم يكن أمام الدكتور سوى التراجع عن عدم قبول ضيافته، متعللا بالجو المطير في الخارج، ولا يعقل أن يتركه في ذلك الغيث والبرد. فيلقي المتنبي إحدى قصائده مادحا كرمه، يقول في أحد أبياتها علة اختياره له: دعاني إليك العلمُ والحلمُ والحِجي/ وهذا الكلام النظمُ والنائل النثر.. والحِجي تعني العقل.

وما أن يقوم الدكتور بواجب الضيافة للمتنبي، ويستقر الشاعر في إحدى غرف النوم، ويقدم له الخف والدثار، ويغلق عليه الباب، ويسرع إلى الحمَّام لينظر في المرآة، ليرى هل هو الدكتور نفسه أو غيره؟ وإذا كان هو، فهل أصابه الخَبَل؟

لكنه يكتشف أن كل ما يراه لا يختلف عن الواقع، حتى محجوبة أيدت له وجود المتنبي، وسماعها لشعره الذي لا تفهمه، وتغير الوضع في الشقة التي عانى صاحبها من العزلة فيها بسبب غياب زوجته.

 الإنسان الأسمى

نعيش مع الدكتور لعبة روائية في غاية الحبك، فمن جهة نحن لا نصدق هذه العودة للمتنبي، ولكن لا نستطيع أن نكذب ما يقوله، ويعيشه الأبطال الآخرون حوله. وتأخذنا الأماسي اللطيفة، التي تمر على الدكتور وضيفه، وهو يقرأ قصائده في مختلف الأغراض الشعرية، ونعرف منه مشاعره تجاه خولة الأخت الكبرى لسيف الدولة وحبه لها، ونعيه لها، وهو بعيد عنها بالكوفة عندما ماتت. كان الدكتور يستمتع كل ليلة بسماع المتنبي يلقي شعره، وهو يملأ فنجانيهما بالقهوة، فيهز رأسه طربا لما يقول. يتتبعهما القارئ بشغف وهما يتحدثان في شأن الأمة العربية، وأسباب تخلفها، منذ القرن الثالث الهجري إلى الزمن الحالي.

وتتعقد الأحداث في الرواية حين يخرج المتنبي من الشقة بالرغم من تحذير الدكتور له من الخروج إلى أهل الرباط، فهم من زمن غير زمنه، ولن يفهموه. وتشاء المصادفات أن يلتقي المتنبي بشباب عاطلين عن العمل يتظاهرون أمام البرلمان، فألقى عليهم قصيدة عصماء يمدحهم فيها، فتلقي الشرطة القبض عليه مع المتظاهرين. وفي صباح اليوم التالي يُطلق سراح المتظاهرين إلا المتنبي، فهو لا يملك جواز السفر، ولا الإقامة.

لعبة روائية في غاية الحبك
لعبة روائية في غاية الحبك

وذكر أمام المحقق، أنه جاء من العراق، وأن اسمه أبوالطيب المتنبي الشاعر المعروف. لكن المحقق اعتبره إرهابيا مخادعا تسلل إلى البلاد قادما من سوريا، وحتى بعد تدخل الدكتور، ومحاولته إنقاذه من الاعتقال، وتوضيحه للمحقق حقيقة المتنبي، وأنه غير مدع بل هو المتنبي، الذي قرأ المحقق أشعاره حين كان طالبا في المدرسة. ولكن المحقق وضح للدكتور، أنه وفق قوانين البلاد، إما أن يعتبره إرهابيا دخل البلاد بشكل غير قانوني ويعتقله وإما يعتبره مجنونا انتحل صفة المتنبي، وعليه إيداعه مستشفى المجانين.

فيختار الدكتور المستشفى للمتنبي، وهناك يتعرف الدكتور على شلة متنوعة من المجانين، من بينهم ابن جني، وكافور، وأخت سيف الدولة. خولة لعبت دورها، ليلى زوجة الدكتور المتوفاة في حادثة سيارة مع عشيق لها، وقد كانا يتنزهان في جولة، فنجا العشيق من الحادثة، وهرب تاركا جثة ليلى في العراء.

وضعنا الكاتب في نهاية الرواية على المأساة الحقيقة التي عاشها الدكتور، وتسببت له بمرض انفصام الشخصية “سكيزوفرينيا”. فهو والمتنبي شخصية واحدة، وقد غلبت على تصرّفاته شخصية المتنبي بسبب تدريسه للشعر، والأدب العربي في الجامعة، وشغفه العميق بالمتنبي وشعره، واعتقاده طول حياته بأن المتنبي يمسك مفاتيح الحل للوضع العربي المُعضِل. واعتبره الفيلسوف العربي الكبير أو “نيتشة العربي” الذي لو عاد لحقق وجود الإنسان الأسمى لهذه الأمة.

أصابه المرض النفسي بعد كآبة حادة عانى منها في عزلته في شقته بالرباط بعد وفاة زوجته ليلى في تلك الحادثة المروعة.

“رباط المتنبي” لحسن أوريد هي الرواية الخامسة بعد رواياته: ربيع قرطبه، الموريسكي، سيرة حمار، الأجمة، وصدرت عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا