الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الكاتب والعائلة Algerian Reporters: الكاتب والعائلة

الكاتب والعائلة

الكاتب

يُعيد إقدام الكاتب والمخرج الفرنسي يان مواكس، قبل مدة، على مقاضاة أفراد عائلته موضوعَ العلاقة بين الكاتب والعائلة إلى واجهة النقاش، الذي يتقاسمه دفئ العلاقة وتوترها. ولم يكن مصدر المشكلة إلا روايته الأخيرة “أورليانز”، وتصريحاته اليومية التي تلت صدور العمل والتي يعود فيها إلى اتهام عائلته بتعنيفه خلال مرحلة طفولته.

لم تنته الحكاية التي شغلت الرأي العام الفرنسي هنا، إذ ستخرج بقية أفراد العائلة لاتهام يان مواكس بكونه يلعب دور الضحية ولفضح بعض جرائمه، ومنها محاولة إغراق أخيه الأصغر. وبذلك سيجد  يان مواكس، الحاصل سابقا على أكثر من جائزة أدبية، ومنها جائزة رينو، نفسه خارج بوديوم جائزة الغونوغور الشهيرة. وإن كان إبعاد روايته “أورليانز” من الجائزة يحمل رائحة تهمة معاداة السامية، وهي الورقة التي أشهرها أفراد العائلة في حربهم مع الابن العاق!

قبل ثلاثة عقود، وبشكل يحمل كثيرا من التقاطعات مع حكاية يان مواكس، كان الكاتب المغربي محمد شكري قد أصدر سيرته الشهيرة “الخبز الحافي” التي كرسها لفضح نظام أسري بكامله، وعلى رأسه الأب.

وما يشفع لجرأة شكري هو أنه عاش حياة حافلة بكثير من الشقاء. إذ اضطر إلى ترك مسقط رأسه بالريف في الشمال المغربي المهدد حينها بالمجاعة، ليهاجر رفقة عائلته، قبل أن يقفل السابعة من عمره، إلى طنجة هناك كانت تنتظره حياةٌ أقسى، اضطر معها إلى مزاولة الكثير من الأعمال، محروما بذلك من فرصة التعليم. وظل بذلك أميا إلى سن العشرين، ليتمكن بعد ذلك من تعلم القراءة والكتابة بشكل عصامي.

أما الفرق بين الحكايتين فهو أن أفراد عائلة محمد شكري لم يكن بإمكانهم قراءة التفاصيل التي تمسهم، لأنهم ببساطة أميون. وإن كان بعضهم وراء ضياع جزء من تراث محمد شكري بعد وفاته. غير أنه بخلاف رواية “أورليانز”، التي فشلت في تحقيق نجاحها الحقيقي خارج المحاكم ومنصات القنوات التلفزيونية المهووسة برفع نسب المشاهدة، فقد استطاعت سيرة “الخبز الحافي” أن تضمن حضورها العالمي، عبر وصولها إلى حوالي أربعين لغة أجنبية.

وبشكل أعم، لعل حالات العلاقات العائلية التي يسبقها التوتر والنزاعات تكاد تطبع كل الجغرافيات الثقافية، على الأقل كما تكشف عن ذلك نصوص كثير من الكتاب واعترافاتهم وأيضا مجموعة من الدراسات التي خصصت للموضوع، والتي كان آخرها كتاب “حكاية آباء الكُتاب” للباحثين الفرنسيين إتيين كيرن وآن بوكِل.

ولذلك يبدو عاديا أن يُحرم الكاتب الفرنسي جول رينار من الإرث بعد نشره لروايته الشهيرة “رأس الجزرة” والتي كرسها لانتقاد عائلته. كما كان عاديا أن تقاطع السيدة ديناديو ابنتها الروائية مارغريت دوراس بعد اطلاعها على مخطوط نصها “سد في مواجهة المحيط الهادئ”.

 أما والدة جان بول سارت فاكتفت بتعليقها الشهير “بولو (وهو الاسم الذي كان يعرف به)، لم يفهم شيئا أثناء طفولته”، وذلك بعد قراءتها لسيرته “الكلمات”، التي صدرت في نفس السنة التي سيرفض فيها سارت جائزة نوبل.

والأكيد أن العلاقة بين الكاتب والعائلة لا تكون دائما بنفس التوتر. بل إن دفئها قد يشكل الموئل الذي يستطيع أن يمنح الفضاء الملائم للإبداع. وهو ما تعكسه كثير من الحالات التي طبعت مشهد الكتابة بالعالم العربي. ولعل من أشهرها حالتان.

الأولى هي عائلة البرغوتي الفلسطينية التي تحضر تجاربها من خلال الأب الشاعر مريد البرغوتي، والزوجة الروائية والناقدة رضوى عاشور، المعروفة بنصها “ثلاثية غرناطة”، والابن الشاعر تميم البرغوتي والمفكر حسين البرغوتي.

أما العائلة الثانية فهي عائلة الوديع المغربية. إنها العائلة التي استطاعت أن تضم بين ثناياها ثلاثة أجيال من الشعراء والمناضلين، يجمعهم انتصارُهم للكتابة وللحرية. ولعلها بذلك، تنسج صورة النموذج الحقيقي للعائلة التي يمكن أن تشكل فضاء لتعلم ممارسة الحق في الاختلاف. إذ كانت لكل كاتب من أفراد العائلة طريقته في الكتابة الأدبية. فقد اختار الأب، الشاعر محمد الوديع، الانتصارَ لطريقته التقليدية في الكتابة الشعرية. بينما جنحت الأم، الشاعرة ثريا السقاط، إلى بعض الرومانسية، على الأقل حسب الجرعة التي كان سياق السبعينات المحتدِم يسمح بها. في مقابل ذلك، اختار صلاح الوديع الانتصار لغنائيته الشعرية. بينما فضل الآخرون أن تكون القصيدة وقيمُها شكلا من أشكال حياتهم اليومية.

وبمعزل عن ذلك، تظل وراثة الكتابة الأدبية ممتنعة عن خضوعها لوصفة ما، خصوصا مع تعدد الحالات. إذ يحضر الكاتب الابن الذي يدخل مجال الإبداع من باب التماهي مع الأب والذي ينتهي بالأفول. كما يحضر الكاتب الابن الذي يملك قدرته الخاصة على الكتابة وعلى الإبداع. ولعلها حالة الكاتب الألماني كلاوس مان الذي استطاع أن يحفر مكانا لاسمه الخاص، محتفظا في نفس الوقت بعلاقة متوترة مع والده، الروائي طوماس مان، الحاصل على جائزة نوبل. كلاوس مان سينتهي منتحرا، بينما اعترف الوالد بمسؤوليته حين أقر بأن وجوده كان يغطي على وجود الابن وعلى إبداعه.

وغير بعيد عن مجال الكتابة، تبرز ظاهرة وراثة دور النشر. وللظاهرة وجهان. الأول يرتبط بالدور التي تضمن نجاحها بفعل انتقالها عبر أجيال العائلة. ولعل حال دار النشر الفرنسية غاليمار خير نموذج على ذلك. إذ أن الدار التي أسسها الجد الأول غاستون غاليمار قبل مئة سنة، مازالت تمثل إلى حد الآن إحدى أكبر دور النشر على مستوى العالم، بفضل قيمة منشوراتها، أو بحكم أرقام معاملاتها التي قد تتجاوز ما تحققه مجمل دور عدد من الدول العربية.

أما الوجه الثاني للظاهرة فتمثله كثير من دور النشر التي تبدو كتجمعات عائلية، حيث يلتقي الآباء بالزوجات وبالأبناء الصغار وبغيرهم من أفراد العائلة، بشكل يتم تحويل مهنة النشر إلى أكثر المهن التي تتناقل بالوراثة بدل التحصيل الأكاديمي والمهني. ولذلك يبدو عاديا أن ينقلب الابن على الأب فور تعلمه لبعض أبجديات النشر، قاطعا مع خط الدار. إن كان للدار خط.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا