الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
قدم أوديب وكلام المرآة Algerian Reporters: قدم أوديب وكلام المرآة

قدم أوديب وكلام المرآة

قدم

باريس - يصف الروسي ميخائيل باختين الجسد الغروتيسكي بأنه غير منتظم الحواف، فتحاته متداخلة، لا حدود واضحة بين داخله الدمويّ-السحريّ، وخارجه السياسيّ-الموضوعي، هو جسد لا ملامح ثابتة له، ولا يُحتَوى ضمن مقياس “نظاميّ”، هو ينشر الرعب، ويهدد تماسكنا الداخليّ، خصوصا أنه يراهن على القرف والمنحطّ والهذيانيّ، فهذا اللحم غير المُنضبط يقدم تصورا مختلفا لكيفية تحركنا في هذا العالم، هو بلا جلد يضبط الشكل ويحتويه، الأهم أن وظائفه متغيّرة، لا يحوي “أعضاء” واضحة، بل كيانات لحميّة تتغير وفق السياق الذي تظهر فيه، هذه الخاصيّة تجعله ينتمي إلى جماليات مختلفة عن تلك التي نألفها، ويشكل غواية فنية للبحث عن بدائل لعالمنا هذا، المتماسك، مضبوط الحواف، شديد الوظيفيّة.

يحتفي مركز بومبيدو في العاصمة الفرنسيّة بالفنان البريطانيّ فرانسيس بيكون، في معرض باسم “بيكون بكلّ آدابه”، ليكون الأول من نوعه منذ أكثر من عشرين عاما، ونشاهد فيه أعماله التي تمتد  فترة إنجازها من عام 1971 إلى عام 1999، سواء كانت بورتريهات أو لوحات ذات مقاييس كبيرة، كما يحوي المعرض مختارات من مكتبته الشخصيّة، في محاولة لتعريفنا على بيكون القارئ النهم وكيفية تأثير الكتب على رؤيته الفنيّة وتكوينه الفكريّ، خصوصا أننا نشاهد شخصيات من عالم الأدب والفنّ في لوحاته التي تبدو أقرب إلى تعبير بصري عن الموضوعات الثقافيّة التي قرأها وجال عوالمها.

لحم بلا حدود

جسد بين الحياة والموت
جسد بين الحياة والموت

تظهر الأجساد في لوحات بيكون كأنها مازالت قيد التكوين، أو أثناء العجن قبل الخلق، فهي نتاج مجموعة من القوى الخارجيّة التي تكونها ضمن اللوحة، كما أن الجلد، أو الوعاء الذي يحتوي اللحم والأجهزة غير متماسك، ليبدو الجسد أشبه بكتلة قادرة على أخذ أشكال جديدة بحسب علاقتها مع العالم وما حولها، كما في الثلاثية التي أنجزها عام 1964، فسواء كان الجسد مستلقيا أو جالسا أو مضجعا هو غير منتظم، شهوانيّ، في ذات الوقت ذو كتل عضلية تمكننا من التنبؤ بحركته، هذه “الجسمانية” في لوحات بيكون تهدد متخيّلنا عن ذواتنا نحن المشاهدين، الذين نرى أجسادنا متناسقة و”مغلقة”، وهذا ما نراه في الثلاثيّة التي أنجزها عام 1973 المُرتبطة بموت صديقه جورج داير في الحمام في غرفة الفندق الذي كان فيه، فهو يتحوّل بين ميت وحيّ دون أن نعلم كيف ستكون “النهاية”، وكأننا أمام سلسلة من التصورات الآنية والمتداخلة للحم لا نمتلك تصوّرا عن شكله النهائيّ.

تحرر بايكون في الثمانينات من الرقابة الذاتيّة التي كان يمارسها على نفسه، والتي كان يخفي بسببها المراجع الأدبية التي يعتمدها في إنجاز لوحاته، ومن ضمن نتاجه بعد هذا الانعتاق نُشاهد لوحة “أوديب والسفينكس بعد أنغر” وهي لوحة أنجزها عام 1981، ويتضح من الاسم أنها تتحدث عن الملك أوديب، ومحاكاة للوحة الفرنسي جان أوغوست دومينيك أنغر التي تحمل اسم “أوديب يحل الأحجية أمام السفينكس”، في نسخة بيكون نرى أوديب أيضا على “باب” طيبة يقف أمام الكائن الأسطوريّ لحل اللغز لكنه لا يمتلك ملامح واضحة، يقف أمام السفينكس رافعا ساقه المنتفخة، حسب معنى اسم أوديب، إذ نراها ملفوفة بضمادة، بل ويمكن أن نذكر دراسة كلود ليفي ستراوس التي تشير إلى العاهة الجسديّة التي تمتلكها سلالة أوديب، فهم عرجان لأنّهم ملعونون، وهنا يبرز أوديب نفسه بوصفه لغزا يرفع قدمه المعطوبة أمام السفينكس الذي يمكن أن يجيبه عن أصله وسلالاته وسبب اللعنة التي حلّت عليه.

جماليات الاختفاء

الذات أمام سرعة الزمن
الذات أمام سرعة الزمن

تطور العصر منذ اختراع القطار حتى الآن، جعلنا أمام أشكال جديدة من الحركة والتسارع، تلك التي يطلق عليها بول فيريليو اسم جماليات الاختفاء، والتي نراها في الصور التي تتحرك بسرعة كبيرة أمامنا، خالقة أشكالا جديدة ولطخات لونيّة تتفوق على إدراكنا، وهي تظهر عادة إن كنا ننظر من شبّاك قطار مُسرع أو نشاهد صورا تعرض بُسرعة كبيرة، هذه السرعة الفائقة واللطخات اللونيّة تظهر أيضا في أجساد بيكون، التي تتلاشى ملامحها وكأنها تتحرك بسرعة هائلة، تاركة وراءها انطباعات بشكل ما، وكأنها ذرات من فيزياء الكم، تتحرك بسرعة لا يمكن إثرها ضبطها، كونها تتشكل وتتفكك في كلّ لحظة، لتأتي اللوحة كما في البورتريه الذاتيّة التي أنجزها عام 1971، بوصفها واحدا من احتمالات متعددة للذات في لحظة واحدة، أو شكلا من الأشكال التي يمكن أن يأخذها “وجه” في عدة لحظات متتالية ومتسارعة، وكأن اللوحة محاولة لالتقاط حركة الذرات فائقة السرعة، تلك التي تفوق حتى قدرة الفنان نفسه على إدراكها.

شعريات المرآة

تحضر المرآة في عدد من لوحات بيكون، خصوصا تلك التي يستذكر فيها داير، ونراها أيضا في الثلاثية التي أنجزها عام 1970 بعنوان “دراسة لظهر مذكّر”، والمثير للاهتمام أن الوجه على المرآة لا يتطابق مع ذاك الموجود أمامها، وكأن الرحلة داخل المرآة تغير من تكوين الأصل، ليظهر الانعكاس بأبعاد مختلفة، الأهم أن المسافة بين المرآة وبين الوجه لا تتطابق مع المقاييس التقليديّة، وكأن عودة الانعكاس من عوالم المرآة تجعله لوحة جديدة، ما يجعل المرآة بوابة نحو رحلة عجائبيّة، تدخل فيها الأنا لتعود “آخر” غريبا كليا لا يمكن تمييزه من قبل الذات.

بالرغم من صغر المعرض نسبيا إلا أننا نتعرف على الموضوعات التي ألهمت بيكون، كثلاثية أوريست لأسخيلوس، والعوالم السفليّة لنيتشة والماديّة المنحطّة لباتاي، فبيكون يقدم لنا رؤية فضائحية وذبائحيّة للفن، محررا كائناته من أشكالها التقليديّة والمثاليات المرتبطة بها، مُقتحما مساحات لاأخلاقيّة، تنفي بنيان العالم المهذب وأشكاله المتزنة، وهذا ما نتعرف عليه بدقّة عبر القراءات التي نسمعها للنصوص التي أثرت ببيكون باللغتين الإنكليزية والفرنسية.

الأجساد في لوحات بيكون تظهر كأنها مازالت قيد التكوين أو أثناء العجن قبل الخلق
الأجساد في لوحات بيكون تظهر كأنها مازالت قيد التكوين أو أثناء العجن قبل الخلق

 

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا