الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
هكذا تكلمت الآنسة نظيرة زين الدين في بيروت Algerian Reporters: هكذا تكلمت الآنسة نظيرة زين الدين في بيروت

هكذا تكلمت الآنسة نظيرة زين الدين في بيروت

هكذا

عندما نشرت نظيرة زين الدين كتابها “السفور والحجاب” في بيروت سنة 1928 لم تكن تجاوزت الثلاثين، من عمرها، من هنا نجد في خطابها الذي سرعان ما انقسم الرأي العام العربي من حوله، لهجة تتسم بجرأة لم تسبقها إليها كاتبة في بلاد الشام، وهي لم تطلب الحرية لنفسها وبنات جنسها وحسب، بل وطلبتها للرجل عندما اعتبرته أسير أوهامه، مستهدفة في خطابها النسوي الذهنية العامة السائدة في مجتمع شرقي ذكوري النزعة والقيم، وقد فعلت ذلك بوجد وتحدّ، وبرغبة عارمة وإيمان خالص بأحقية دعوتها، مستنهضة المرأة ومطالبة إياها بنزع حجابها ورفع صوتها طلبا للحرية، ونيل الحق بالتغيير.

كتاب نظيرة زين الدين الذي قيض له أن يهزّ العالم العربي حمل عنوان “السفور والحجاب- محاضرات ونظرات مرماها تحرر المرأة والتجدد الاجتماعي في العالم الإسلامي”. مؤلفته كانت ابنة لشخصية قانونية هي سعيد زين الدين الذي شغل في ذلك الوقت منصب الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف في الجمهورية اللبنانية، والكتاب مهدى إليه. وقد تألف من خمسة أقسام وعناوين كثيرة اندرجت تحتها موضوعات أثارت مجتمعة قضايا تتصل بحقوق المرأة وحريتها ومكانتها الاجتماعية، وأحوالها المتأخرة في ذلك الزمن، والدعوة إلى التجديد والالتحاق بالمدنية الحديثة.

تطرقت نظيرة زين الدين إلى مسائل الحرية والحق والشرع والدين والعقل، بوعي نقدي لافت، وقدمت ما اعتبرته نوعين من الأدلة على وجوب تحرر المرأة ومساواتها بالرجل: الأدلة العقلية والأدلة الدينية، ورأت تداخلاً بين هذه وتلك، لأن الدين والعقل متآزران متضامنان في الحق لا يفترقان. وساقت في كتابها آراء مضادة لتحرر المرأة ففندتها وعلقت عليها، ورفضتها. واتسمت لغتها بالبساطة والوضوح ولم تغب عنها الفصاحة، بل إن الخطاب الذي بلورت فيه نقدها اللاذع للذكورية المجتمعية احتفظ بنبرة أدبية رائقة.

ولقد تميز خطاب الكاتبة بالقدرة على الإقناع، حيث أنها استقطبت لدعوتها الانصار من حيث جلبت على نفسها الأعداء، الذين ما لبثوا أن اشتبكوا في ما بينهم في سجالات استمرت زمناً طويلاً، وهو ما حدا بها لاحقاً إلى جمع مادة السجال واستعراضها والردّ عليها في كتاب آخر أطلقت عليه اسما متحدياً هو “الفتاة والشيوخ” جدد بدوره الضجة التي أثارها كتابها الأول. وقد شارك في تلك السجالات كبار الشعراء والمفكرين والكتاب وعلماء الدين العرب في القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت، ممن طبقت شهرتهم الآفاق وسادت أقلامهم في النصف الأوّل من القرن العشرين.

دعوة لاستنهاض المرأة لنيل الحق بالتغيير
دعوة لاستنهاض المرأة لنيل الحق بالتغيير

***

واحدة من أبكر المحاولات، ولعلها الأبكر، في استعادة هذا “السفور والحجاب” من التعتيم والنسيان، في إطار مشروع ثقافي عربي للكشف عن الأعمال والشخصيات المؤسسة لدعوة تحرير المرأة في الثقافة العربية تمت على صفحات مجلة “الكاتبة” التي صدرت في مطلع العشرية الأخيرة من القرن العشرين.

وقد أثار نشر المجلة لنماذج من كتابات نظيرة زين الدين إلى جانب أعمال كوكبة من الكاتبات والكتاب ممن تصدرت أسماؤهم الدعوة لتحرير المرأة، انتباه القراء العرب الذين اكتشفوا في ما أعادت “الكاتبة” نشره وتسليط الضوء عليه من نصوص وأعمال مجهولة، نماذج وأسماء وسّعت بحضورها المتجدد رقعة مؤسسي خطاب تحرير المرأة في أذهان القراء، وأعادت إحياء أسماء أساسية في ذاكرة الثقافة العربية المعاصرة.

***

وبالعودة إلى تجربة نظيرة زين الدين، فإن السؤال الذي ظل يشغلني إثر حصولي، سنة 1993 على نسخة من الطبعة الأولى لـ”السفور والحجاب” المحفوظة في مكتبة سانت أنتوني في جامعة أكسفورد، هو عن أسباب إهمال الكتاب فلم تظهر منه إلى النور حتى مطالع التسعينات سوى طبعة واحدة، على الرغم من كل ما أثاره الكتاب  من جدل في المراكز الأساسية للثقافة العربية؟ فهل كان يكفي الانتصار المؤقت للسفوريين على الحجابيين بدءاً من الثلاثينات، حتى تضرب الثقافة العربية صفحاً عن الكاتبة وكتابها وتتركه يؤول الى النسيان؟

الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى بحث مستفيض ليس في سيرة الكاتبة، وحسب، وإنما في الوقائع والصراعات المجتمعية والسياسية والتحولات التي عرفتها المنطقة في ظل الانتدابين الفرنسي والبريطاني في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وتمكن الإشارة هنا إلى بعض النشاطات الثقافية التي جرت في ظل الانتداب ونشطت من خلالها النساء العربيات المطالبات بحريتهن في مصر والشام. وهو ما يفسر الاتهام الذي وجهه أحد المثقفين التقليديين اللبنانيين -مصطفى غلاييني- للكاتبة وكتابها، بقوله إن “السفور والحجاب” هو كتابهم. ويقصد أنه كتاب وضع بوحي وتشجيع مباشرين من القوى الناعمة للانتداب، بقصد اختراق المجتمعات الشرقية المسلمة فكرياً وخلخلة قيمها عن طريق استقطاب النساء وجعلهن يتبنين قيم الغرب الاستعماري، ويرتبطن بمنظومة الأفكار الغربية.

 هنا قطوف من كتاب “السفور والحجاب” حول مسألتي “الحجاب” و”حرية المرأة”، أخلي لها ما تبقى من مساحة هذه الكلمة.

نوري الجراح

لندن - تشرين الأول/أكتوبر 2019

قول في الحرية

دعوة لإطلاق المرأة وتحريرها
دعوة لإطلاق المرأة وتحريرها (لوحة سارة شمة)

كذلك هي الحرية أيها السادة، إنها منبع الخير للإنسان، وأساس رقيه الأخلاقي وكماله الأدبي إذا هي بنيت على التربية الصحيحة، هي التي ترفع عقل المرأة وتزيده نماءً وتثقيفاً، وتفهم المرأة معنى الشرف وطرق حفظه، وتحيي فيها عاطفة الثقة بنفسها، وتحمل الرجال على احترامها، يجب أن نعلم كما يعلم سائر الناس أن استقلال النساء كاستقلال الرجال، يحلّق بالنفوس إلى ما فوق، ويبعدها عن مواطن الزلل.

يجب أن نعلم، أن استقلال الإرادة أهم عامل في نهوض الرجل، فلا يكون له في نفوس النساء إلا مثل ذلك الأثر الطيب.

يجب إطلاق المرأة وتحريرها، وإيقاظ ضميرها الذي خدره الخدر، وأنامه النقاب والحجاب، وجعل ذلك الضمير المستيقظ الحي متولياً بنفسه محاسبة صاحبته على جميع أعمالها، ومراقبة حركاتها وسكناتها، فهو أعظم سلطاناً وأوقى يداً من سيدي الرجل.

***

يجب أن يعرف سيدي الرجل أن العبودية، وهي مصدر الذل والخمول والجمود، لن تكون أبداً كما قال بعض الحكماء مصدراً للفضيلة، ومدرسة لتربية النفوس على الكبر إلا إذا صح أن يكون الظلام مصدراً للنور، والموت علة للحياة والعدم سلماً للوجود.

***

لا نستطيع أردنا أم لم نرد أن نقف حاجزاً في سبيل تيار النهضة الحديثة وما تتحفنا به من آراء جديدة في العلم والاجتماع.

***

يدلنا التاريخ، أن قوى الكون القاهرة، ما استطاعت إيقاف شمس الحرية عن الشروق، متى حانت ساعته، إنه ليس من قوة في الأرض تمنع الحرية أن تشمل هذا الكون بنورها الساطع كما يشمل نور الشمس هذا العالم. ولكن، كما أن الشمس، لا تشرق دفعة واحدة على العالمين، بل تتناول الجبال أولاً ولا تهبط أشعتها إلى الأودية إلا بعد أن تصل إلى أعلى العرش، كذلك شمس الحرية، تشرق في أوّل الأمر على النوابغ والمفكرين والفريق الراقي من البشر، ثم يضيء نورها الفريق الآخر الجاهل متى بلغت قمة العرش، وإنه لسعيد ذلك النابغ المفكر الذي يستنير قبل غيره بنور الحرية الساطع، هذا النور الذي ينعش العقل والفكر والاجتماع، بما يحدثه من تجدد، وهو من مظاهر الحياة، خلافاً للجمود، وهو من مظاهر الموت.

***

كفى الشرق جموده، وموت روح الحرية والاستقلال فيه، وكفى الشرقيين حرمانهم حرية التفكير التي هي أساس كل نهضة، بل كفاهم أنهم يمشون على منهاج آبائهم لا يتطوّرون ولا يتجددون، ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماء. إنهم هم الخاسرون.

***

يا سيدي الرجل القوّام على النساء، إن كل حكومة هي قوّامة على الشعب، وقد طالما ادعت الحكومة في الأدوار المظلمة أن سلطانها مستمد من قوتها أو من الله، ولكن، ما هي إلا حقبة من الزمان حتى سقطت دعواها، وانهارت صروح مجدها، وتدحرجت تيجان أصحابها، وأكرهت على التسليم بأن الشعب قوّام عليها، كما هي قوّامة عليه، فحفظت الموازنة، وبطل الاستبداد، وسادت الحرية والعلم، ونكمل الأدب، وسعدت العيلة، والمجتمع البشري.

***

يا سيدي الرجل، إن الرقي والأخلاق في الحكومات المستبدة الغاشمة المستعبدة شعوبها أحط منها جداً في الحكومة الحرة العاقلة، كان يقال إنما العاجز من لا يستبد، فأصبحنا اليوم، وكل يخجل من أن يوصم بالاستبداد، لأنه ينافي العدل والمروءة، ينافي العقل والمصلحة، والأدب والاجتماع.

يهم الحكومة المستبدة أن تقبض على رقاب الناس، فتقيد حرياتهم وتخفت أصواتهم وتكسر أقلامهم لتأمن.

***

يا سيدي الرجل، إن القول بوجوب بقاء المرأة عندنا على حالها من الجمود، وحجبها وحبسها دون تبديل ولا تغيير، خروج عن سنّة النشوء والارتقاء، ولا يصح القول إن حق الارتقاء من حال إلى أصلح منها، مختص بالرّجل وحده فقد قال أحد الفلاسفة: أما ألاّ يكون حق لأحد الناس، أو أن يكون لكل فرد حق مساوٍ حق الآخر، ومن جرّد غيره عن حقه، فقد داس بقدمه حق نفسه.

نظيرة زين الدين

بيروت 1928

ينشر المقال بالاتفاق مع الجديد الثقافية اللندنية

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا