الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
"خلود المحبة" لسمير غريب كتاب خارج التصنيف Algerian Reporters: "خلود المحبة" لسمير غريب كتاب خارج التصنيف

"خلود المحبة" لسمير غريب كتاب خارج التصنيف

"خلود

عندما عرّف جورج لوكاتش الرواية بأنها جنس لم ينته، سمح هذا التعريف غير المؤطّر بحدٍّ في دخول أنواع لصيقة وقريبة من جنس الرواية إليها. الغريب أن بعض هذه الأجناس، وتحديدا السيرة الذاتية، مع صرامة التعريفات والشروط التي وُضعت لها، هي الأخرى لازمتها هذه الصفة. لكن مع هيمنة السيرة الذاتية، التي أزاحت الرواية عن عرشها حتى أعلن البعض أن اطّراد السيرة الذاتية معناه إعلان موت الرواية.

فالسيرة الذاتية منذ النصوص التأسيسية الأولى عند القديس أوغسطين وجان جاك روسو في الاعترافات، وهي تصارع بين الصراحة والإخفاء، البوح والتصريح. لازمت هذه الصفة التي وصف بها لوكاتش الرواية، الجنس القريب منها السيرة الذاتية، فأبسط هذه التعريفات تقرّ بأنها سيرة حياة المرأة يكتبها عن نفسه. إلا أن كثيرا من الأعمال التي صدرت مؤخرا تأخذ فقط إطار السيرة الذاتية، دون أن تأخذ في اعتبارها شرائط السيرة الذاتية، والالتزام بالقيود التي حددها منظرو السيرة الذاتية، واعتبروها أشبه بمواثيق مغلظة بين كاتب السيرة وقارئها.

هل هناك أكثر خلودا من خلود المحبة؟
هل هناك أكثر خلودا من خلود المحبة؟

في الكتاب الجديد الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب لسمير غريب بعنوان “خلود المحبة” 2019، يضعه المؤلف تحت إطار السيرة الذاتية أو “نثار من السيرة” وبتعبيره “نتفا من سيرة ذاتية ومدخلا وثائقيّا بما فيه من معلومات وصور فوتوغرافية وصور لخطابات شخصية تنشر للمرة الأولى”.

الكتاب في حقيقة الأمر يكسّر الإطار التصنيفي الذي وضعته فيه هيئة الكتاب، حيث أشارت في بطاقة فهرسته إلى أنه قصص قصيرة، وهو يدفع إلى التساؤل عن لجان الفحص والقائمين على إخراج الكتاب، ما دورهم؟ وما هي مؤهلاتهم التي تجعلهم لا يفرّقون بين السيرة الذاتية والقصة القصيرة على سبيل المثال، فيقعون في هذا الخطأ ـ الفجّ؟ كما أن المتن ذاته يكسر حدود الإطار الذي وضعه فيه المؤلف نفسه بإشارته إلى أنه “نتف من السيرة الذاتية”؛ حيث احتوى الكتاب على قصيدة وقصتين قصيرتين، وهو ما يعود بنا إلى مفهوم الكتابة عبر النوعية الذي اقترحه إدوار الخراط في ما مضى.

جاء الكتاب في أربعة أقسام، يحمل كل قسم عنوانا مستقلا، كما أن كل قسم يتكوّن من وحدات سردية منفصلة أو لوحات مستقلة، بما في ذلك العناوين. لا رابط بين هذه الوحدات سوى الموت الذي يوحّد الجميع ويجعلهم يقعون في دائرة الاستعادة، والراوي الذي يقوم بالاستعادة، إضافة إلى قيمة الوفاء التي تسري وتوحّد بين جميع الوحدات.

كما تتنوّع النصوص ما بين تخليد للبشر، والأماكن كشرم الشيخ وتشيلي ونقادة والمكسيك وباريس ومنفلوط. والأماكن تجمع بين المحلية والعالمية، وهو ما يشير إلى تساوي القيمة لديه في أهميتها فلا فرق بين نقادة التي تقبع في جنوب مصر، وباريس في حضارتها وتراثها الذي يجب أن يهتم به المسؤولون.

وكأن المحبة التي يوزِّعها غريب لا تقتصر على البشر، بل تنفذ هي الأخرى إلى الأماكن والمدن، فيتحدث في نصوصه السردية عن شرم الشيخ وباريس ولبنان وكذلك دار الكتب والوثائق القومية القديمة في باب الخلق ومطعم جروبي بوسط البلد.

الشيء المهم الذي يُحسب لمؤلفه، أنه كسّر مفهوم السيرة الذاتية الكلاسيكي، وأخذنا في أهاب كتابة جديدة تجمع بين الذاتي والموضوعي، دون أن تتخلى عن النطاق الذاتي، حيث يتناول الأحداث الكبرى والوقائع المهمّة من منظور شخصي
الشيء المهم الذي يُحسب لمؤلفه، أنه كسّر مفهوم السيرة الذاتية الكلاسيكي

القسم الأول جاء بعنوان “فناء الجسد.. خلود الروح”، وهو عبارة عن سرادقات عزاء، أشبه بشهادات عمّن تتلمذ على أيديهم، أو رافقهم في رحلة العمل ويدين لهم بالولاء، ويستهل هذه المراثي العذبة بمرثية عن زوجته سمية التي ترك فراقها أثرا كبيرا في حياته، فيقدم مرثيته كنص استهلال بعنوان “خلود المحبة” وهو أشبه برسالة حبّ لزوجته التي توفيت في 2004، بثّها فيها شجونه وشعوره بالوحدة بعد غياب شريكة الحياة. فيقول لها “أنت لم تشته الرحيل عني يوما ولا أنا اشتهيت. رحلت عني رغما عنك فزاد وجودك معي والتصقت بك. تعرفين أنني تشبّثت بمركب الموت بجسدي كله حتى لا يأخذك مني لكنه – بالطبع – كان أقوى”.

تأتي هذه الشهادات مع أنها في صيغة رثاء، وكأنّها تقدم إضاءات كثيرة عن جوانب الشخصية المرثية، سواء على المستوى الإنساني أو على المستوى العلمي، كما فعل مع أساتذته جلال الدين الحمامصي، وسمير سرحان، وجمال بكري، وعاطف العراقي الذي مات وهو واقف يؤدّي عمله تأكيدا لقيم العلم والإخلاص له.

الشهادات تأخذ في بعضها لوحات وصفيّة عن المكتوب عنهم، على نحو ما هو ظاهر في شخصية المطرب الشعبي “أحمد برين”، والذي وصفه بأنه “قبس من روح مصر”، وقدم إطلالة عن رحلته في الإنشاد. كما لا يتوقف السرد عند الجوانب الإيجابية، وإنما يقدّم قراءة واعية نقدية للكثير من الأعمال كما فعل مع لويس عوض، وبالمثل في قراءته لمقدمة كتاب “الآداب السلطانية” لأحمد محمد سالم.

الجزء الثاني من الكتاب هو أشبه ببورتريهات لأصدقاء أحياء، ومن ثم أسماه “وطن من المحبين” وفي واحدة من النصوص يقدّم استعراضا لمأساة الكاتب المسرحي، السيد حافظ، كاشفا عن حالة العوز التي يعانيها المبدعون، وتخاذُّل وزارة الثقافة في الدفاع عنهم، وحمايتهم من عوائل الزمن.

مع كل ما قرأنا من لوحات سردية، عن أحياء وراحلين، نتساءل: أين السيرة الذاتيّة الخاصة بالمؤلف في الكتاب؟ في الحقيقة المؤلف لم يقدم سيرة بالمفهوم الكلاسيكي “سيرة حياة المرء يكتبها بنفسه”، أو “حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص” كما هي عند الفرنسي فيليب لوجون، حيث يتحدث عن النشأة والزمن الكرونولوجي، متتبّعا المؤثرات التكوينية وغيرها.

سمير غريب يوثق ما يكتبه بمعلومات وصور فوتوغرافية وصور لخطابات شخصية
سمير غريب يوثق ما يكتبه بمعلومات وصور فوتوغرافية وصور لخطابات شخصية

يقدم سمير غريب كتابات أشبه بنتف من السيرة الذاتية، كما ذكر، حيث لا يقف بما يسرده عند شخصياته فقط، وإنما يوثق ما يكتبه بمعلومات وصور فوتوغرافية وصور لخطابات شخصية، وهذا التوثيق يتأتى في إطار المحبة التي قال عنها إن “كل نصوص كتابي هنا تعبّر عن محبتي لأشخاصها وأماكنها. وهل هناك أجمل وأنقى من المحبة؟ وهل هناك أكثر خلودا من خلود المحبة؟” ومن ثم فصورة سمير غريب تأتي أولا من خلال الآخرين، وكأنه يستقي ملامحه من مرآة الآخرين  سواء أكانوا شخصيات أم أماكن، ارتبط بهم/ بها.

الجزء الخاص بسيرته الشخصية، أو تكوينه يأتي في نهاية الجزء الثالث المعنون بـ”تجوال”، ويقصر الحديث فيه عن حياته على ثلاث وحدات من مجمل سبع عشرة وحدة. أخذت الثلاث وحدات عناوين هكذا “يا لها من فرصة رائعة.. اجتماع العيدين: الميلاد والأضحى، وثورة 23 يوليو مرآة شخصية، والعيد الذي كان في منفلوط”. ويقدم عبرها صورة مقتضبة عن نشأته في مدينة منفلوط التي قدمها الأب في رحلة عكسية، بعد الثورة، حيث تولّى مهام بياض أوّل مستشفى في المدينة، لكن رحلة الأب امتدت حتى وفاته في المدينة.

يستعرض بدايات تكوينه في مدرسة الشيخ الصيّاد، التي صار اسمها مدرسة التحرير بعد الثورة، الشيء المهم أنّ الراوي وهو يستعرض أجواء دراسته في الماضي، يقارن بما حاق التعليم في الوقت الراهن، ومع تغيّر الظروف والسياسات إلا أن المقارنة تنسحب للماضي، حيث المساواة التي لم تبدأ في ارتداء الطلاب الأغنياء والفقراء على حد سواء، مريلة موحدة مصنوعة من قماش التيل السميك.

يتخذ من أحداث ثورة يوليو مدخلا لاستعادة نشأته وطفولته في محافظة أسيوط بجنوب مصر، فيسرد عن التغيّرات الاجتماعية التي أحدثتها الثورة على الطبقة المتوسطة، فيتوقف عند دور الكُتّاب كبداية في سلم التعليم، وأيضا عند ما أحلّته الثورة من مفاهيم جديدة كالقومية العربية، والوحدة وقوانين الإصلاح الزراعي.

اللافت أن سمير غريب وهو يقلّبُ أوراق الثورة والماضي، لا يسهب في السرد دون أن يضع رأيه في الأحداث وما آلت إليه، فيعيد الأمور إلى نصابها دون مبالغة أو تهويل، فمجانية التعليم بدأها طه حسين قبل الثورة، وإن كانت الثورة استكملت مسيرتها في مرحلة التعليم الجامعي، وتبدّل النشيد الوطني، وفقا للأهواء السياسية وصولا إلى النشيد الحالي، الذي كتبه محمد يونس القاضي، يرى فيه نرجسية كبيرة رغم نبل المقاصد.

غرافيتي في القاهرة للفنان علاء عوض
غرافيتي في القاهرة للفنان علاء عوض

ويقدّم في هذه الوحدة سردا تفصيليا بتطورات الغناء الوطني، بدءا من أغاني صلاح جاهين للثورة، وصولا إلى عبدالرحمن الأبنودي، ومن الغناء الجماعي كما بدا في أغنية الوطن الأكبر، وصولا إلى الحلم العربي. وعبر وصفه لحكاية موكب المحفل الذي كان يمرّ صباح كل عيد فطر، يسرد عن صورة من صور التآلف بين المصريين، ومشاركة الأُسر المسيحية في هذا الاحتفال.

تنبع أهمية هذا الكتاب من المواقع التي شغلها سمير غريب، فقد بدأ حياته العملية صحافيا في جريدة الأخبار، ثم تقلّد عدة مناصب بوزارة الثقافة، فشغل موقع رئيس صندوق التنمية الثقافية، ثم تولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، وصولا إلى رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما. وجميعها مناصب تضعه في دائرة القرار، ومن ثم كنّا ننتظر أن يتطرق لحكايات من داخل هذه الدائرة، ولكنه اكتفى بالحديث عن علاقاته بأصدقائه ورثاء من رحلوا، دون أن يعطي للسيرة مفهومها المتداول في الغرب، حيث قائمة على الفضائح والخبايا التي لم يطلع عليها أحد.

لكن الشيء المهم الذي يُحسب لمؤلفه، أنه كسّر مفهوم السيرة الذاتية الكلاسيكي، وأخذنا في أهاب كتابة جديدة تجمع بين الذاتي والموضوعي، دون أن تتخلى عن النطاق الذاتي، حيث يتناول الأحداث الكبرى والوقائع المهمّة من منظور شخصي، وفي نفس الوقت يعمد إلى التقييم والمراجعة، فلا تأتي الأحداث كنوع من الاستدعاء والاسترسال في الذكريات، بقدر ما تأتي لتراجع وتقيّم، حتى في علاقاته بالشخصيات التي قدم مرثيات عنها، كانت الاستعادة بمثابة تجديد الوفاء لها، وتخليدها سواء بالكتابة وإظهار مآثرها، أو بالألبوم المصور الذي وزعه على الوحدات السردية، فالصور هي الأخرى كانت شاهدة على سياق ثقافي وتاريخي مهمّ أراد المؤلف أن يكون هو الآخر حاضرا، وعلى القارئ أن يستنطق ما وراء التواريخ والحوادث التي وثّقت لها الصور، والوثائق التي أوردها.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا