الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الطرابلسي الثائر: فن فج خارج للتو من صمت مديد Algerian Reporters: الطرابلسي الثائر: فن فج خارج للتو من صمت مديد

الطرابلسي الثائر: فن فج خارج للتو من صمت مديد

الطرابلسي

كيف تستدير المدن إلى وجوهها؟ من مُظهَر أحوالها الداخلية ومدى عشق أهلها لها؟ ما هي “المدينة الفاضلة”؟ هل هي تلك التي اكتفت بالتلوي في حدائق الأيديولوجيا الدرامية والمختنقة تحت عتبات الإهمال وتشويه صورتها من قبل أصوليين لا ينتمون حتى إلى ذاتهم أم هي المدينة “العتبة” التي تمد شرايينها بعيدا في الوطن لتغذّيه بجبروت الثبات ضد القهر ولتكون صدى لهواجس ومطالب باقي المدن في جسد وطن اعتل طويلا بأمراضه المزمنة؟ هل المهندسون المعماريون الملقنون أسرار الهندسة المعمارية هم صنّاع المدن؟ وهل خرائطهم الهندسية المصممة في هدوء المكاتب هي منطلق نمو المدينة أم هي الثورات التي تحدّد هيئة المدن ومزاجها عبر نزعات فنية شعبية أنشأت حُكما خارج الجدران الأربعة بتواتر عفوي يضخّ الحياة في عصب الوقت؟

ربما تستطيع ساحات لبنان المصممة اليوم بنبض شعبي عارم الإجابة عن كل الأسئلة المطروحة آنفا، وقطع الشك بمن هم أصحاب المدن ومصمّموها بيقين اللون وفداحة الخط وحدّة التعبير الفني اللصيق بهوية أصحاب المدن.

قد تكون طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، الرازحة طويلا تحت أفظع حالات الفقر، هي اليوم الأبلغ في صناعة منطق وطن واحد هو لبنان، وشعب واحد وهو “اللبنانيون”.

توزّع في ساحة النور الطرابلسية عدد من الخيم حوّلها فنانون تشكيليون إلى سمبوزيوم لرسم شعارات الثورة. كما استقبلت بعض الخيم أولاد المدارس لكي يرسموا الثورة.

المعتصمون رسموا علما لبنانيا كبيرا على جدار المبنى المواجه لسراي طرابلس، ليشكّل احتضانا حكيما للجيش والأمن اللبنانيين

غير أن ما هو أهم من ذلك هو ما يشير إليه من كان على تواصل مع ناس طرابلس البسطاء من الجوّالة وباعة القهوة والشاي الزهيد الثمن، وبائعي الكعك والحلوى الرخيصة والملونة والمتنقلين بعربيات الخضرة والفاكهة. من كان على تواصل معهم سيدرك كيف استيقظ هؤلاء على مدينتهم صبيحة 17 أكتوبر ليتعرفوا، من ناحية، على مدينتهم التي باتت تشبه وجوههم، ومن ناحية ثانية لينغمسوا بممارسة فن بنَاء هويات لمدن.

لليل تجهيزه الفني وللنهار تجهيز آخر: في الليل تصطبغ الشوارع بحضورهم العارم المرقش بضوء مصابيح جولاتهم، وفي النهار “يُلبسون” العديد من الجدران والنوافذ والمباني المدينة، لاسيما في ساحة النور وما يحيط بها، معالم الفن الفج الخارج للتو من صمته.

مبنى الغندور الضخم في ساحة النور تحوّل إلى صرح تأسيسي وشعار لثورة شعب متصل عضويا بسائر المدن اللبنانية، إذ طليَ بأكمله بالعلم اللبناني، ليتم بعد ذلك تزيينه بجواهر الشعارات والكلمات الوهاجة الناطقة بمبادئ ثورية أساسية، من قبيل: “شكرا للجيش ولقوى الأمن الداخلي”، “نطالب بدولة مدنية ذات عدالة اجتماعية”، “طرابلس مدينة الحرية والعيش المشترك”. وتحوّل اسم المبنى من “غندور” إلى “طربلس مدينة السلام”، بعد أن كتبت هذه الكلمات عليه بخط عريض يطغى على باقي الخطوط.

كما رسم المعتصمون علما لبنانيا كبيرا على جدار المبنى المواجه لسراي طرابلس، ليشكّل احتضانا سريعا وحكيما للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي عبر التأكيد لهما بأنهما منهم ولهم.

في طرابلس، الساحة، مُزّقت منذ اليوم الأول صور زعماء المدينة المنتشرة على الجدران والمعلقة على الأعمدة، لتقدم مشهدا فنيا طازجا تناثرت خلاله المناشير الورقية المحتفية بهذا الزعيم أو ذاك.  تبعثرت بعض الصور والشعارات الممزقة أرضا، وبعضها الآخر بقي شبه معلق في الفضاء المنخفض.

كما تدلت خيوط ورقية لم تنفصل كليا عن الصور المعلقة، فظلت تترنّح وتتأرجح في الفراغ حتى هبوب الريح وانهمار الأمطار لتذوب في جلبة واحدة، وكأن الطبيعة شاركت في بناء مشهد السقوط الرائع. المتأمل في هذه المشاهد عبر شاشات التلفزيون وعلى صفحات مواقع التواصل، سيتذكر، وبقوة، بعضا من الأعمال الرائعة التي قدمها الفنان التجهيزي السويسري جان تينغلي، الذي اشتهر بآلاته الفنية النحتية الحركية- الأوتوماتيكية في فترة الخمسينات من القرن الفائت، والمنطلقة من الحركة الأدائية كموقف ضد الإنتاج الزائد التكنولوجي للسلع المادية.

قدّم الفنان المئات من “الآلات” المسطحة والدقيقة والبالغة الرقيقة المتحركة في محاكاة لتهشم شعري يقول الكثير عن حب الفنان لمعنى الوقت المحكوم بقدرية انفجاره والموصوم بهشاشة تخط الحد الفاصل ما بين الثابت- الصادق، والعابر- الهمجي.

قدّمت طرابلس جل ما يقدمه فن التجهيز المعاصر من كسر للجدران القائمة ما بين المُشاهد والصانع- الفنان، وتلقين فوري لمعنى التلقائية الصادقة عبر ممارسة مسرحية من قبيل ما جرى على تسميته بالـ”حدوثية”(happening)، التي هي على صلة مباشرة مع المتلقي الفاعل والمشارك في صناعة منظومة مستقبل تلوح آفاقه ويُرجى تحققه على النحو الذي تخيله وأراده الفنان- المشاهد، أي الشعب وليس فقط الطرابلسي، وإنما كل لبناني.

قد تكون طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، الرازحة طويلا تحت أفظع حالات الفقر، هي اليوم الأبلغ في صناعة منطق وطن واحد هو لبنان

ففي الأيام التي تعرّضت فيها بيروت وباقي المناطق جنوبا إلى اضطهاد السلطة عبر تكسير الخيم وتهويل المشاركين بالانتفاضة، فتحت طرابلس وساحة النور صدرها بدعوة واستقبال الوفود البشرية القادمة إليها للمشاركة في انتفاضة شعب رزح طويلا تحت الفساد والعصبية الطائفية.

وفي هذا السياق ظهرت على إحدى الشاشات التلفزيونية مجموعة من الشبان وهم يتكلمون عن عملهم التجهيزي المسمى “طرابلس مدينة السلام”. وكان كلامهم صادقا حتى الصميم، وفنيا حتى النشوة.

قال أحدهم، “انتظرنا طويلا من البلدية والفعاليات الأخرى أن تزيّن المدينة لتبعد عنها شبهة العنف التي اصطبغت بها. لم يصغوا إلينا. وبعضهم استهزأ بنا. نحن اليوم نزيّن طرابلس كما نريد، وكما نحب. لسنا بحاجة لهم بعد اليوم”.

ويضيف شاب آخر، “الآن أصبحت المدينة لنا. كل السياسيين لم يستطيعوا أن يفعلوا ما فعلنا”. ويضحك شاب آخر معقّبا، “بالنسبة إلى التمويل، كل واحد من الشباب والصبايا تبرّع بعشرة آلاف لبنانية كي نشتري ما يلزمنا من الطلاء والعدة”.

هكذا، أصبحت مدينة طرابلس تظهيرا جماليا لحالة التصادم، عبر الانصهار ما بين تفاصيل المدن اللبنانية الأخرى المُعاندة للتغيير، إنه المشهد الأقوى الذي أعاد لطرابلس وجهها البهي، وللبنانيين ماء وجههم.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا