الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
تحديد الآلية الغامضة للإصابة بـ«تصلُّب الشرايين»Algerian Reporters:تحديد الآلية الغامضة للإصابة بـ«تصلُّب الشرايين»

تحديد الآلية الغامضة للإصابة بـ«تصلُّب الشرايين»

تحديد

ربما قد حان الوقت لكشف الغموض الذي يكتنف مرض تصلب الشرايين، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعتي "كامبريدج" و"لندن الملكية" البريطانيتين.الدراسة الجديدة أزاحت الستار عن الآلية التي تفقد بها الشرايين مرونتها، ما يؤدي إلى تصلُّبها، وأن أحد علاجات حب الشباب من الممكن أن يكون علاجًا ناجحًا للمرض في المستقبل، الأمر الذي يفتح الباب أمام مسارات علاجية جديدة قد تساعد على احتفاظ تلك الأوعية الدموية بمرونتها لفترات أطول. تقول كاثي شاناهان –الأستاذة بكلية الطب والعلوم القلبية بجامعة لندن الملكية، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن نتائج الأطروحة الجديدة تفتح الباب لأول مرة أمام مسار علاجي جديد لهذا المرض الذي قد يجعل مصابيه أكثر عرضةً لمخاطر النوبات القلبية والخرف والسكتة الدماغية، بل قد يزداد الأمر سوءًا بصفة خاصة بالنسبة لمَن يعانون من مرض السكري أو يخضعون للغسيل الكلوي"، مشددةً على أن أهمية هذا الكشف تزداد مع ارتفاع أعداد هؤلاء المرضى، إضافةً إلى الغموض الذي ظل يكتنف المرض.

ويحدث تصلب الشرايين عندما تصبح الأوعية الدموية سميكةً ومتيبسة، مما يمنع تدفُّق الدم أحيانًا إلى الأعضاء والأنسجة؛ إذ تتولى الأوعية الدموية نقل الأكسجين والمواد الغذائية من القلب إلى بقية أجزاء الجسم عبر الشرايين. وتكون الشرايين السليمة مرنةً وقابلةً للتمدد، ولكن مع مرور الوقت، يمكن أن تتصلب جدرانها نتيجة العديد من العوامل، وهو ما يُعرف بمرض "تصلب الشرايين". وتحمل الشرايين الدم المحمَّل بالأكسجين من القلب لتوصله إلى كافة أنسجة الجسم، وتتفرع الشرايين في طريقها إلى أعضاء الجسم المختلفة لتصبح أصغر فأصغر مع ابتعادها عن القلب.

وتكتسب الدراسة الجديدة أرضيةً مهمة لأنها تتعامل مع أحد أهم مسببات الوفاة على سطح الكوكب، التي ليس لها خطط علاجية واضحة؛ إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض القلبية الوعائية كانت في صدارة أسباب الوفيات في جميع أنحاء العالم في عام 2017، وأن عدد الوفيات الناجمة عن هذه الأمراض بلغ نحو 17.7 مليون نسمة في عام 2015، أي حوالي 31% من مجموع الوفيات التي وقعت في العالم في العام نفسه.

التمعدن الحيوي

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "سيل ريبورتس" (Cell Reports)، توصل الباحثون إلى أن تصلب الشرايين يحدث عندما يتراكم الكالسيوم في الجدران المرنة للأوعية، في عملية تُعرف بـ"التكلس"، وتحدث مع التقدم في العمر؛ إذ تبدأ الشرايين فقدان مرونتها وتتصلب.

تشدد "شاناهان" على أن أهمية الدراسة تكمن في أنها كشفت عن مسار جديد لعملية "التمعدن الحيوي"، التي تستهدف تقسية الأنسجة وتصليبها، قائلةً إننا إذا فهمنا كيف تحدث هذه العملية، يمكننا العثور على علاجات لإيقافها إذا حدثت في أماكن لا ينبغي أن تحدث فيها، مثل الأوعية الدموية، على سبيل المثال.

ركز الباحثون دراستهم حول جزيء يُسمى PAR، يؤدي هذا الجزيء دورًا في إصلاح الحمض النووي داخل الخلايا. لكن في الدراسة الجديدة، اكتشف الباحثون البريطانيون أن PAR يمكن أن يشكل "قطرات سائلة كثيفة مع أيونات الكالسيوم"، تتبلور بعد ذلك عندما تتحد مع الأنسجة المرنة في جدران الشرايين، مما يتسبب في تصلُّبها بسبب تراكم عنصر الكالسيوم.

تاريخ تصلب الشرايين

وتُعد هذه الأطروحة خطوةً حقيقيةً للكشف عن خبايا مرض تصلُّب الشرايين الذي عانت منه البشرية منذ فجر التاريخ؛ إذ أظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة جنوب كاليفورنيا في عام 2013 خطأ الاعتقاد السائد بأن تصلب الشرايين هو إحدى آفات العصور الحديثة، بعد أن وجدت أن مومياوات تعود إلى أربعة آلاف عام كانت مصابةً به أيضًا، ما ساعد على تغيير فكرة أن مرض تصلُّب الشرايين الذي يسبب الأزمات القلبية والجلطات المخية، ظهر حديثًا نتيجة مسببات عصرية كالتدخين والبدانة وقلة الحركة.

وأوضح الفحص الإشعاعي لـ137 مومياء تغطي 4 قارات مختلفة أن تصلب الشرايين كان عاملًا مشتركًا بينها، ولا سيما في الأشخاص الأكبر سنًّا. وضمت الدراسة مومياوات تخص سكان بيرو القديمة والأمريكيين الأصليين الذين استوطنوا ضفاف نهر كولورادو، وشعب "الأونانجان" الذي كان يقطن المنطقة الواقعة بين "آلاسكا" و"سيبيريا"، إضافة إلى مومياوات من مصر.

وتبين أن 34 % من المومياوات التي خضعت للدراسة ظهرت عليها آثار لتصلب الشرايين، كما أن المومياوات التي تعدت أعمار أصحابها العقد الرابع كان نصفها يعاني من تكلُّسات الشرايين.

كيف يحدث التكلس؟

عكفنا على دراسة عملية التكلس داخل الشرايين مدة عشر سنوات، راغبين في معرفة سبب التكلس، الذي يأخذ شكل بلورات فوسفات الكالسيوم، وانصب اهتمامنا بشكل خاص على معرفة سبب تركُّز هذه الرواسب حول الكولاجين (البروتين الرئيسي في الأنسجة الضامة في العضلات والجلد والأربطة والغضاريف والعظام والأنسجة)، والإيلاستين (بروتين يُسهم في الحفاظ على مرونة بعض تراكيب الجسم وأعضائه). تقول "شاناهان": كنا قد توصلنا في دراسة سابقة إلى أن جزيء PAR، الذي يقوم بإصلاح الحمض النووي داخل الخلايا، يمكن أن يعمل أيضًا خارج الخلايا كمحرك لإنتاج الأنسجة العظمية، وبالإضافة إلى ذلك، عندما تتعرض الخلايا للإجهاد التأكسدي وتلف الحمض النووي، فإنها تعبر عن ذلك بإنزيمين ينتجان جزيء الـPAR، هما PARP1 وPARP2.

فحص باحثو الدراسة ما يحدث على المستوى الجزيئي عندما تتعرض الخلايا للإجهاد، وتم رصد جزيء PAR في عينات مختلفة من الخلايا المستزرعة في المختبر، بما في ذلك عينات الأوعية الدموية البشرية، باستخدام تقنية مطيافية الرنين النووي المغناطيسي، التي تتميز بقدرتها على تحليل العينات وصولًا إلى المستوى الجزيئي.

ووجد الباحثون أنه عندما تنهك الخلايا نتيجةً للإجهاد التأكسدي، فإنها تنتج جزيء PAR، ونظرًا إلى أن لهذا الجزيء تقارُبًا قويًّا مع أيونات الكالسيوم، فإنه يرتبط بقوة به بمجرد خروجه من الخلية، مفضلًا إياه على المعادن الأخرى.

وهذه العملية من التقارب تنتج قطرات الكالسيوم الكبيرة التي تلتصق ببروتينات الكولاجين والإيلاستين، والتي تمنح تلك الأوعية الدموية خاصية المرونة، وتتيح للعديد من أنسجة الجسم استئناف شكلها بعد تمدُّدها أو تلفها، وعندما تلتصق القطرات بتلك المواد المرنة، فإنها تتصلب في صورة بلورات، مما يقلل من المرونة ويؤدي إلى الإصابة بتصلب الشرايين.

توضح "شاناهان": يمثل تكلس الأوعية الدموية عامل خطر للإصابة بالعديد من أمراض القلب والدورة الدموية، ويمكن أن يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم والإصابة بنوبات قلبية تهدد الحياة، مضيفةً: لقد أصبح لدينا الآن دراية بكيفية حدوث تكلُّس جدران الأوعية الدموية، وكيف تختلف تلك العملية عن التكوين الطبيعي للعظام، ما يتيح لنا القدرة على إيجاد علاج محتمل للحد من حدوث هذه العمليات، دون أن تكون له أي آثار سلبية.

كشف عن طريق الصدفة

من جهته، يقول "فيصل مراد" -أستاذ جراحة القلب والصدر المساعد في جامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن اكتشاف الآلية التي يحدث بها تصلُّب الشرايين مهم جدًّا؛ لأن هذا المرض يرتبط بشكل وثيق بمخاطر عديدة، مثل جلطات القلب وجلطات المخ وبعض الأمراض المرتبطة بالذاكرة مثل الخرف وألزهايمر، لذا فإن لهذا البحث أهمية كبيرة؛ لأنه أرتأى أن دواء "المينوسكلين"، الذي يُستخدم كمضاد حيوي لعلاج حب الشباب، يمكن أن يعمل على وقف عملية التكلس الناجم عن تفاعل جزيء PAR مع أيونات الكالسيوم داخل الأوعية الدموية. ورغم أن هذا الكشف ما زال في طور البحث إلا أنه قد يكون مفيدًا جدًّا لعلاج المرضى من مشكلات صحية أخرى، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم على سبيل المثال".

تؤكد "شاناهان" ما أوضحه "مراد"، وتضيف: توصلنا إلى هذا الكشف عن طريق الصدفة، إذ اكتشفنا أن هذا المركب الدوائي من شأنه أن يوقف عمل الإنزيم الذي ينتج جزيء PAR في الخلية، لذلك يمكن استخدام "المينوسكلين" علاجًا، ولكنها شددت على أنه سيكون من الضروري الآن إجراء تجارب سريرية لاختبار آثاره على التكلس، موضحةً أنهم سيعكفون على دراسة ذلك خلال العامين القادمين، وإذا انتهوا إلى أنه يعمل بكفاءة، فسيكون ذلك هو أول علاج لتكلس الأوعية الدموية، على حد قولها.

وتوضح "شاناهان" أن الفريق البحثي ركز دراسته حتى الآن على الخلايا المختبرية ونموذج التكلس في الفئران فقط، ووجد أن "المينوسكلين" يمكن أن يكون فعالًا بدرجة كافية لمنع التكلس عندما تم إعطاؤه بصفة خاصة للفئران المصابة بالفشل الكلوي (التي تتسارع لديها عملية تكلس الشرايين)، مضيفةً: "أصبح لدينا الآن هذه البيانات، وسنقوم بتصميم دراسات سريرية على المرضى من البشر".

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا