الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
إيقاظ قوى جديدة كامنة في الملاقط البصريةAlgerian Reporters:إيقاظ قوى جديدة كامنة في الملاقط البصرية

إيقاظ قوى جديدة كامنة في الملاقط البصرية

إيقاظ

لعقود مضت، شكّلت أشعة الليزر وتطبيقاتها حيزًا كبيرًا من أفلام الخيال العلمي وفضاء ألعاب القتال الإلكترونية، خاصة تلك العصا السحرية المضيئة، التي يستخدمها البطل كأداة لتحريك الأشياء من حوله والتحكم فيها، أو حتى محاربة خصومه بضغطة زر.

لكن هذا الخيال العلمي تحول إلى حقيقة، نال من خلالها العالِم الأمريكي آرثر آشكين جائزة نوبل للفيزياء لعام 2018؛ لابتكاره الملاقط البصرية وتطبيقها على النظم البيولوجية.

والملاقط البصرية (Optical tweezers) هي طريقة تعتمد على استخدام أشعة الليزر لالتقاط الجسيمات الدقيقة والتحكم فيها ومعالجتها، اعتمادًا على نظرية أن الضوء يستطيع إعطاء طاقة أو ما يُسمّى بضغطِ الإشعاع، الذي ينشأ عن امتصاص ثم انبعاث للموجات الكهرومغناطيسية، أو انعكاس موجة كهرومغناطيسيّة على المساحة التي تؤثر عليها، وبالتالي الاستفادة من قدرة الضوء على ممارسة القوة على أي مادة.

تاريخيًّا، تم إثبات قدرة الليزر على ممارسة القوة على أي مادة بشكل نظري، على يد عالِم الفيزياء الإسكتلندي جيمس كليرك ماكسويل في عام 1873، لكن وجود ضغط الإشعاع تجريبيًّا تحقق في أوائل 1900، على يد علماء الفيزياء: الروسي بيوتر ليبيديف، والأمريكيين إرنست نيكولز وجوردون هال.

وفي ستينيات القرن العشرين، ظهرت أشعة الليزر أخيرًا، وأصبح من الممكن دراسة ضغط الإشعاع باستخدام أشعة ضوئية مكثفة ومتزامنة، وكان السبق في ذلك لرائد هذا المجال آرثر آشكين، الذي أدت جهوده إلى ابتكار الملاقط البصرية، وحصوله على جائزة نوبل وهو في عامه الـ96، ليصبح بذلك أكبر العلماء الحاصلين على هذه الجائزة سنًّا.

آشكين نجح في صناعة هذه الملاقط من خلال ملاحظة قدرة ضوء الليزر على دفع الجسيمات الصغيرة وتحريكها والإمساك بها أيضًا؛ إذ تنجذب الجزيئات إلى حزمة شعاع الليزر، ويتم تسريع الجزيئات، أو حصرها في ألياف بصرية مستقرة باستخدام قوة ضغط الإشعاع.

ملاقط ثلاثية الأبعاء

وتُستخدم الملاقط البصرية في البحوث الأساسية والتطبيقات العملية لمجالات الكيمياء والفيزياء الحيوية؛ إذ تعطينا فرصًا جديدة لدراسة آليات الأشياء على المستوى الجزيئي والتحكم فيها بأصابع شعاع الليزر. وفي مجال البيولوجيا والطب تُستعمل لاحتجاز الفيروسات والبكتيريا، والخلايا الحية الأخرى ودراسة مكوناتها من البروتينات وجزيئات الحمض النووي DNA؛ إذ يمكننا فحصها والتلاعب بها أو تعديلها دون أن تتعرض للتلف.

ولكن عند دراسة الخلايا الحية باستخدام الملقط البصري، فإن إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه العلماء هي الضرر الذي يمكن أن يسببه شعاع الليزر القوي للخلية المراد مراقبتها.

وللتغلب على تلك المشكلة، اكتشف علماء فيزياء من جامعتي جوتنبرج السويدية وبيلكنت التركية، نظامًا جديدًا من الملاقط البصرية ثلاثية الأبعاد، يقلل بدرجة كبيرة من شدة ضوء الليزر الذي تستخدمه تلك الملاقط، لالتقاط الأجسام المجهرية الحية وغير الحية.

وأوضح الباحثون في دراستهم التي نشروا تفاصيلها في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز"، أن النظام الجديد يُسهم في عدم الإضرار بالأجسام في أثناء التقاطها وتحريكها بواسطة الملاقط البصرية، ويحسّن دراسة جميع أنواع الخلايا والجزيئات.

وأشار الفريق إلى أن إحدى المشكلات الرئيسية عند استخدام الملاقط البصرية التقليدية في مراقبة الخلايا أن شدّة ضوء الليزر يرفع درجة حرارة الخلية، ما يُلحق بها الضرر، خاصةً إذا تمت دراستها لفترات طويلة، لذا فإن الحد من ارتفاع درجة حرارة الخليّة عبر تقليل شدّة ضوء الليزر قد يُحدث فرقًا كبيرًا، يمكّن العلماء من إجراء التجارب بطريقة أكثر واقعية فيما يتعلق بدورة حياة الخلية الطبيعية.

واكتشف الباحثون أن هذا النوع ثلاثي الأبعاد يمكنه تقليص شدة ضوء الليزر اللازم لالتقاط الخلية إلى نسبة تصل إلى 100 مرة أقل، مقارنة بالملاقط البصرية التقليدية. ومع القليل من ضوء الليزر، قد ينعدم التلف أو يقل في الخلية المراد دراستها، وقد يكون ذلك مفيدًا في دراسة خلايا تحتاج دراستها إلى مدة طويلة، كخلايا الدم والخميرة.

ويعتمد نظام الملاقط ثلاثي الأبعاد الذي اقترحه الباحثون على حصر الجسم المراد مراقبته داخل نظام توليد الليزر نفسه، بحيث تعتمد شدة الليزر على موقع الجسم، فإذا كان الجسم محصورًا بسبب الملقط، فإن شدّة الليزر تنخفض حتى تصل إلى قيمة لا تكفي لحصر الجسم، ولكن بمجرد أن يحاول الجسم الهروب من الملقط وبسبب تغيُّر موضعه تزداد شدة الليزر بسرعة كبيرة لتسحب الجسم مجددًا نحو الملقط، وهكذا وبسبب السرعة العالية التي يجري بها التغيُّر في الشدة يتم ضمان بقاء الجسم محصورًا بالملقط البصري ودون حدوث أضرار.

وفي حديث لـ"للعلم"، قالت "فاطمة كلنتاريفرد" "Fatemeh Kalantarifard"، أستاذ الفيزياء بجامعة وبيلكنت، وقائد فريق البحث: "إن الأهمية الكبرى للنتائج هي أن شدة ضوء الليزر التي تتعرض لها الخلايا المراد مراقبتها في ضوء التقنية الجديدة، أقل بكثير من أنظمة الملاقط البصرية التقليدية، ما يجعل هذه الطريقة آمنةً لالتقاط الخلايا البيولوجية الحساسة لشدة ضوء الليزر، ودون أن يحدث الضرر المعتاد للخلايا".

وأضافت أن فريق البحث استخدم تقنيةً جديدةً ذات قدرة ثلاثية، تجعل من الجسيم المحصور فاعلًا في عملية توليد ليزر الملقط البصري، مما أتاح لنا محاصرة الجسيم بطريقة تنظّم شدة طاقة الليزر وفقًا لموقع هذا الجسم.

واعتبرت أن الميزة في الاكتشاف الجديد هي أن آلية التشغيل ذاتية؛ إذ يعدّل الجسيم المراد مراقبته ذاته بشكل آلي، فتزيد شدة الليزر عندما يبتعد عن موضع البؤرة، لتعيده إليها مرةً أخرى، وعند ذلك تنخفض مجددًا، أي عقب عودة الجسيم إلى دائرة الضوء، وهكذا لتتم محاصرته بأدنى شدة ممكنة من ضوء الليزر.

التحكّم في الخلايا دون قتلها

من جانبه، توقّع الباحث السوري غيث مكي، أحد أعضاء فريق البحث، أن يكون للاكتشاف الجديد أثر كبير في تطبيقات علم البيولوجيا وتطبيقات الملاقط البصرية بشكل عام.

وعن وظيفة الملاقط البصرية، شرح ما توصل إليه الفريق قائلًا: "ما فعلناه هو تقليص شدة الضوء اللازم لالتقاط هذه الأجسام، وبالتالي جعل هذه الملاقط أخفَّ وطأة، وهذا مكّننا من التقاط خلايا كان التقاطها بالتقنيات السابقة مسببًا لقتلها، ومن هنا يمكن تصوّر التطبيقات الكبيرة لملاقطنا البصرية الجديدة التي تمكّن من التقاط الخلايا والتحكم بها (جرها) من مكان إلى آخر، دون قتلها.

وأشار "مكي" إلى أن الملاقط الجديدة تزيد زمن الالتقاط بشكل كبير للخلايا التي تستطيع البقاء حيةً تحت شدة ضوء الليزر مقارنةً بالتقنيات الأخرى التي كانت تحدد عملية الالتقاط بزمن محدود بسبب ارتفاع حرارتها خلال زمن الالتقاط.

وعن وظيفة الملاقط ثلاثية الأبعاد، رأى "مكي" أنها تدعم الدراسات البيولوجية الموجهة إلى فهم الأنسجة الحية والأورام بشكل كبير، إذ يمكن أن تدعم دراسات الأورام السرطانية على سبيل المثال، كما تتيح التقنية التقاط الأجسام غير الحية، والتي يمكن أن تغير خواصها بشكل غير مرغوب فيه تحت شدة ضوء الليزر الشديد، فطريقتنا في هذه الحالة توسّع من تطبيقات الملاقط البصرية بشكل كبير في دراسات علوم المواد كالبوليمرات وعلوم النانوتكنولوجي، وفق قوله.

دراسة خصائص الخلايا الحيّة

عمرو صالح -أستاذ الفيزياء والهندسة الإلكترونية بجامعتي ستانفورد الأمريكية والقاهرة– اعتبر أن هذا البحث يستخدم تقنية جديدة لبناء الملاقط الضوئية؛ إذ قامت المجموعة البحثية بتنفيذ هذا الملقاط من خلال استخدام ما يُعرف بالتجويف الليزري.

وفي حديث "صالح" لـ"للعلم"، رأى أن وجه الابتكار في هذا التصميم هو اعتبار الجسيم المراد تقييده والتحكم فيه جزءًا من هذا التجويف الليزري، وفي هذه الحالة فإن قدرة هذا التجويف على توليد أشعة الليزر تتحدد من خلال حركة هذا الجسيم؛ فعندما يكون في مكان الاستقرار المحدد له، فإن قدرة التجويف على توليد أشعة الليزر تكون ضعيفة، لكن إذا تحرك هذا الجسيم خارج هذه النقطة ازدادت قدرة التجويف على توليد أشعة الليزر بشكل غير خطي، وتعمل هذه الأشعة على استعادة الجسيم إلى المكان المحدد له.

وأوضح "صالح" أن الميزة الرئيسة لهذه الطريقة المبتكرة هي أن الجسيم يتعرض للأشعة الضوئية فقط عند الحاجة إلى استعادته، وهذا يختلف تمامًا عن الملاقط التقليدية؛ إذ يتعرض الجسيم تعرُّضًا مستمرًّا لضوء الليزر، وبالتالي فإن الطاقة الضوئية المطلوبة تكون أقل بكثير، ولا تتسبب في إحداث أضرار للجسيم، عكس الطرق التقليدية.

وشدد على أن هذه النتائج على قدرٍ عالٍ من الأهمية؛ إذ ستفتح المجال لدراسة جسيمات لم يكن من الممكن دراستها بسهولة باستخدام الملاقط الضوئية التقليدية مثل الخلايا الحية، وسيكون بالإمكان دراسة الخصائص الميكانيكية والحيوية لأنواع مختلفة من الخلايا كالخلايا السرطانية، ودراسة درجة صلابة الجدر الخليوية لهذه الخلايا وتفاعلاتها مع الخلايا الأخرى في بيئتها الطبيعية، دون أن يكون هناك تأثير ضار عليها نتيجة الطاقة الضوئية التي قد تكون مدمرةً للخلايا في حالة الملاقط التقليدية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن طريقة تنفيذ هذا الملقاط المبتكر تتيح -وفقًا لـ"صالح"- دمجه بشكل أكثر سهولةً مع أدوات مثل أدوات التحليل الضوئي، وهذا الأمر سيمكِّننا من دراسة الخلايا الحية بشكل أكثر تفصيلًا على مستوى الخلية الواحدة.

من جانبه، رأى عبد الناصر توفيق -أستاذ الفيزياء بجامعتي فولفجانج جوته فرانكفورت بألمانيا الاتحادية والنيل الأهلية بمصر- أن ما توصل إليه العلماء من ملاقط ثلاثية الأبعاد يقدم تقنيةً مبتكرة، ينتج عنها ترابُط يزيد بعشرات المرات على طول المحاور الثلاثة (الأبعاد الثلاثية) لكل وحدة كثافة ليزرية للعينة الواحدة، وبناء عليه يمكن حبس الجسيمات أو صيدها بكثافة شعاع ليزر أقل لما يربو عن المئة مرة مقارنةً بالملاقط البصرية التقليدية.

وأشار إلى أن فريق البحث استخدم ليزر "الفايبر" ذا التجويف الدائري وذا الفتحة الضيقة جدًّا، وهو ما أتاح حبس الجسيمات المجهرية باستخدام ملاقط ضوئية قياسية. وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم- أن هذه التقنية الجديدة يمكن أن تجد طريقها في تطبيقات عدة، وخاصة تلك التي تتطلب تغييرات في العينة.

من جانبها، قالت "فاطمة كلنتاريفرد" في ختام تصريحاتها لـ"للعلم": إن تجاربنا أظهرت بالفعل أن خلايا الخميرة تمت محاصرتها ومراقبتها بمستويات من ضوء الليزر لم تسبب أضرارًا أو تسممًا للخلايا، على عكس الملاقط التقليدية الأخرى، مضيفةً أن الفريق سيواصل أبحاثه لتحسين النتائج؛ حتى تتيح التقنية الجديدة التعامل مع الجزيئات النانوية الحجم متناهية الصغر أيضًا.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا