الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
Algerian Reporters:الحاسبات تُحدِّد حالات الوعي

الحاسبات تُحدِّد حالات الوعي

الحاسبات

الوعي مفهومٌ غريب، بل وفكرة فوق طبيعية، فهذا الوعي الذي يُدرك به الإنسان سائر جسده والعالم من حوله ما هو إلا نتاج مُضغة من جسده تبلغ من الوزن نحو ثلاثة أرطال، كلنا ندرك الوعي عندما نرى آثاره، لكن ما حقيقته بالضبط؟ وأين يكون حين يغيب؟ لا تمتلك العلوم العصبية الأدوات الكافية للإجابة عن هذه الأسئلة -إن كانت هناك إجابة لها أصلًا- ولكن يجب أن تتوافر للأطباء في المستشفيات القدرة على تشخيص الوعي، فهم يريدون معرفة ما إذا كان المريض بإصابة دماغية يعي نفسه وما حوله أم لا، ولا يزال الأطباء يحددون هذا التشخيص في الغالب من خلال فحص سريري بسيط، فيسألون عن مدى اتباع المريض للتعليمات، وهل إشاراته أو كلامه عن وعي وقصد، وما إلى ذلك.

من الصعب تحديد حالة الوعي في المرضى الذين هم في أدنى درجات الوعي، أي بين الوعي والغيبوبة، فقد تتشابه الحركات والأصوات اللاإرادية التي لا قصد أو هدف من ورائها كثيرًا مع الحركات والأصوات الإرادية المقصودة، لأن الوعي يحضر تارة ويغيب أخرى، وفي كثير من الحالات، يجري الأطباء تشخيصًا مرتفع المخاطرة، فالمريض إما يكون في أدنى حالات الوعي، وتكون إفاقته مأمولة إلى حد معقول، وإما يُشخَّص بأنه يعاني متلازمة الاستيقاظ غير المستجيب، أو ما يُعرف بالحالة الإنباتية المستديمة، حيث تكون تصرفاته عشوائية ولا إرادية ويكون الأمل في إفاقته شبه معدوم، ومما يثير القلق أن نسبة الخطأ في التشخيص تصل إلى %40 من هذه الحالات لشدة تشابهها.

ونظرًا إلى هذه النسبة العالية من المخاطرة، تحاول دراسة حديثة في دورية برين،Brain ، أن تمدّ للأطباء يد العون في هذا الصدد، فتتناول بالتفصيل خوارزمية للتعلّم الآلي قادرة على التمييز بين متلازمة الحالة الإنباتية المستديمة وحالة الحد الأدنى من الوعي باستخدام التخطيط الكهربائي للمخ.

 وعند استخدام هذه الخوارزمية، فإنها تجعل التشخيص أكثر دقة، ومن المأمول أن تتفوق في التشخيص على معظم الأطباء البشريين، غير أن تشخيص حالة الوعي باستخدام خوارزمية حاسوبية يثير مخاوف أخلاقية، فما مدى اطمئناننا إلى ترك آلة تُجري تشخيصًا قد يرتبط بمسألة حياة أو موت، خاصة أن إدراكنا لمفهوم الوعي ضحل للغاية؟

إن فكرة فحص الدماغ لتعقّب آثار الوعي ليست جديدة، فقد عكف الباحثون منذ عقود على دراسة كيفية استخدام تقنيات المسح الدماغي، مثل التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، لدراسة حالة الحد الأدنى من الوعي، وفي دراسة رائدة أجريت عام 2014، أظهرت فحوصات التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني أن الدماغ يمكن أن يستجيب إلى الإشارات لدى بعض المرضى الذين شُخصت حالاتهم (تشخيصًا خاطئًا) على أنهم يعانون متلازمة الحالة الإنباتية المستديمة، الأدهى من ذلك أن المرضى الذين كانت نتيجة تصويرهم مقطعيًا بالإصدار البوزيتروني إيجابية كان الأمل في إفاقتهم أكبر.

تشير هذه الدراسة إلى أنه ينبغي استخدام التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني عند الشك في حالة وعي المريض، غير أن أجهزة التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني لا تتوافر في جميع المستشفيات، فضلًا عن أنها باهظة التكلفة، وتتطلب مهارات فائقة في الضبط والتحضير وتصعب قراءتها، ومن البدائل الأسهل إتاحةً أجهزة التخطيط الكهربائي للدماغ، حيث توضع مجسّات كهربائية على فروة رأس المريض، تقرأ نشاط الدماغ من خلال الجمجمة، تسجِّل أجهزة التخطيط الكهربائي للدماغ نشاط الدماغ في صورة موجات عند إطلاق ما يكفي من الخلايا العصبية إشارات كهربائية، في الشخص السليم، تتموج هذه الموجات بتردّدات متوقعة، أما بعد إصابة الدماغ، فتقل إمكانية توقع نمط التموّج.

في الدراسة الجديدة، أخذت مجموعة في مستشفى بيتي سالبترير في باريس تسجيلات التخطيط الكهربائي للدماغ التي أجريت على 268 مريضًا شُخِّصوا إما بمتلازمة الحالة الإنباتية المستديمة وإما حالة الحد الأدنى من الوعي، سُجِّلت قراءات التخطيط الكهربائي للدماغ قبل وفي أثناء مهمة الاستماع المصممة لالتقاط المعالجة الواعية للأصوات، وأُدخلت عشرات من جوانب البيانات إلى خوارزمية للتعلم الآلي تسمىDOC-Forest.

كان أداء خوارزمية DOC-Forest جيدًا للغاية في هذه المهمة المعقدة، فقد شخَّصت نحو 3 حالات من أصل 4 حالات تشخيصًا صحيحًا. (ملاحظة: بدلاً من الدقة، استخدم الباحثون مقياسًا أفضل للأداء اسمه "المساحة تحت المنحنى(AUC) "، وهو مقياس يأخذ في الاعتبار نسبة التصنيف الإيجابي الخاطئ، والذي تترتب عليه عواقب خطيرة في هذه الحالة).

اهتم المؤلِّفون أيضًا بتطبيق خوارزمية DOC-Forest على حالات فعلية، فأدخلوا بيانات عشوائية لمحاكاة الاختلافات في إجراءات جمع البيانات، وراعوا الترتيبات المختلفة لوضع المجسّات على الجمجمة، كما استخدموا الخوارزمية على مجموعة مختلفة من المرضى في أحد مستشفيات لييج، في بلجيكا، وفي كل حالة، كان أداء خوارزمية DOC-Forest جيدًا، بلا أي اختلاف يذكر في قياس الأداء.

من منظور معيّن، تعدّ خوارزمية التعلم الآلي هذه تطوّرًا كبيرًا، فبيانات التخطيط الكهربائي للدماغ معقدة وتتضمَّن أبعادًا متعدِّدة كالوقت والتردّد وظروف الاختبار وأماكن وضع المجسّات، وغيرها، تخيَّل صفحات تلو الأخرى من الموجات المتعرجة على شاشة الحاسوب، عادة ما يركِّز الباحثون على جوانب من البيانات سهلة التفسير، ولتكن مثلًا مظهر موجة دماغية معينة خلال مهمة الاستماع، إلا أن هذا التركيز على التفسير يستبعد جوانب من البيانات يحتمل أن تكون مُهمة، تخلو خوارزميات التعلم الآلي من مثل هذا التحيز البشري تجاه قابلية التفسير والتواصل، بل تُركز فقط على تصنيف البيانات بصورة صحيحة، وهو كل ما نحتاج إليه هنا.

إذا استُخدمتْ خوارزمية DOC-Forest، فإنها ستكون أداة مفيدة للغاية لاختصاصي الأمراض العصبية قليل الخبرة، فسوف تفحص الخوارزمية الخطوط المتعرجة لبيانات التخطيط الكهربائي للدماغ وتقدم احتمالات بأن المريض يملك مستوى معينًا من الوعي غاب عن الطبيب قليل الخبرة رصده في اختباراته السريرية، إلا أن هذا دوران في حلقة مفرغة، فالخوارزمية "مُدرَّبة" على حالات شخَّصها أطباء الأعصاب عبر فحوصات سريرية، وبينما استطاع الباحثون في مستشفى بيتي سالبترير رصد المرضى بعض الوقت بهدف تقليل أخطاء التشخيص، فما فعلته الخوارزمية هو ربط إشارات بيانات التخطيط الكهربائي للدماغ بتلك التشخيصات السريرية، الأكثر خبرة.

 ومع ذلك، ما طبيعة الوعي الذي لم ترصده أي من هذه الفحوصات أو عمليات التخطيط الكهربائي للدماغ أو غيرها من المحاولات؟

لا ينبغي أن ننسى أننا لا نعلم أين أو كيف يظهر الوعي، إذا نعجز عن إدراك حقيقة الوعي إذا اتَّخذ صورًا أو حالات تختلف عن تلك التي جرّبناها بأنفسنا، قد يقول قائل إن فهمنا الضحل للمشكلة يقتضي ألا نستعين بالآلات في الوقت الحاليّ، ومن ناحية أخرى، لا نعرف إذا كنا سنتوصل يومًا ما إلى إجابات شافية لهذه الأسئلة، فإن كان الحال هكذا، فما يُضيرنا إذا استعنَّا بأداة مصممة بعناية مثل خوارزمية DOC-Forest في اتخاذ القرارات في إطار فهمنا الحاليّ للوعي، لا يمكننا الإجابة عن ذلك بسهولة، لكنه أمر ربّما يجدر بنا مناقشته، لأن هذه الأدوات تقترب حثيثًا من دائرة الاستخدام اليومي.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا