الرئيسية جزائر مجتمع مغاربي شرق أوسط افريقي دولي الاقتصاد تكنولوجيا معلوماتية علوم صحة ثقافة رياضة فرنسية
الاقتراب من فك لغز المرض الذي أصاب أشهر ملاكمي العالمAlgerian Reporters:الاقتراب من فك لغز المرض الذي أصاب أشهر ملاكمي العالم

الاقتراب من فك لغز المرض الذي أصاب أشهر ملاكمي العالم

الاقتراب

بعد صراع طويل مع مرض الشلل الرعاش (باركنسون) -امتد قرابة اثنين وثلاثين عامًا كاملةـ توفي الملاكم الأبرز في العالم محمد علي كلاي، إحدى أساطير رياضة الملاكمة في الوزن الثقيل. الملاكم الذي طالما وَصف أداءَه في حلبة الملاكمة بأنه "يطير كالفراشة ويلسع كالنحلة"، أصبح فجأةً "سجين الجسد"، لا يقوى على الحركة إلا على كرسي متحرك. عانى "كلاي" خلال فترة مرضه -كحال المصابين بالشلل الرعاش- آلامًا شديدة، مصحوبةً برعشة في الأطراف، وتصلُّب في العضلات، وصعوبة في المشي والحركة والكلام. وفي حين قضى المرض على رحلته كملاكم شهير داخل حلبة الملاكمة، ظل يواصل جهوده خارجها للتوعية بالمرض ورعاية مرضاه، حتى توفاه الله.

الباركنسون الذي يُعَد "ثاني أكثر مرض عصبي تحلُّلي انتشارًا بعد ألزهايمر"، تتراوح أعداد المصابين به بين 7 إلى 10 ملايين شخص حول العالم. وحتى الآن لا يوجد علاج فعال له؛ إذ تستهدف معظم العلاجات تحسين جودة حياة المريض عن طريق التعامل مع الأعراض وتخفيف حدتها، لذا كان من الضروري تكثيف الأبحاث حول الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى الإصابة به، في محاولة لفهمه بشكل أكثر دقة، تساعد على التوصُّل إلى علاج ناجع وفعال له.

أجسام مجهولة التكوين

لفترة طويلة كان من الشائع أن مرض باركنسون ينتج عن ترسُّب وتراكم البروتينات المعطوبة من بروتين ألفا-سينوكلين في الخلايا العصبية، تلك التراكمات تكوِّن تكتلات تُسمى "أجسام ليوي" وهي من أهم علامات داء باركنسون.

مع التطور التكنولوجي، تسلَّح العلماء بالعديد من التقنيات التي ساعدتهم على سبر أغوار الآليات الخلوية والعمليات الحيوية داخل خلايا جسم الإنسان. ساعدت تقنيات أكثر تقدمًا مجموعةً من الباحثين في التوصل إلى تفسير جديد لتكوين أجسام ليوي، مما قد ينعكس على فهم آليات المرض، ما يبشر بتطوير علاجات ناجمة عن فهم طبيعة المرض بشكل أفضل.

توضح الشكل التقليدي لجسيم ليوي محاط بخط من النقاط البيضاء ويحتوي على عدد أقل من العضيات والحويصلات و يظهر البروتينات الليفية بالأسهم الخضراء. أخذت هذه الصورة بدون استخدام تقنية CLEM .

في هذا الإطار، تعاون باحثون من كلٍّ من سويسرا وألمانيا وهولندا، في دراسة صدرت عن دورية نيتشر نيوروساينس (نيتشر للعلوم العصبية)، في تسليط الضوء على طبيعة تكوين أجسام ليوي، في محاولة التوصل إلى فهم أعمق لأسباب تطور مرض باركنسون، وكيف يؤدي إلى حدوث عمليات التحلُّل العصبي، فمن سمات هذا المرض، تحطُّم أو موت خلايا عصبية معينة في الدماغ في عملية تتم بإيقاع بطيء. وتعود غالبية أعراض المرض إلى فقد الخلايا العصبية المنتجة للناقل العصبي (الدوبامين)، ما يتسبب في شذوذ نشاط الدماغ، والذي يؤدي بدوره إلى ظهور الأعراض.

فحوصات فائقة الدقة

استخدمت الدراسة تقنيات حديثة في فحص أنسجة من أمخاخ 5 متبرعين بعد إعلان وفاتهم من جَرَّاء مرض باركنسون بأقل من خمس ساعات. في أثناء الفحص بالميكروسكوب الضوئي، وجد الباحثون 17 جسم ليوي، وعندما تم فحصها بالميكروسكوب الإلكتروني كانت النتائج غير متوقعة؛ إذ وُجد أنها مكتظة بالليبيدات أو المواد الدهنية بنسبة أكبر من البروتينات التي كانت يُتوقع وجودها وفق نتائج معظم الأبحاث السابقة. إذ تتراكم الحويصلات الليبيدية والمركبات الدهنية المكونة للأغشية الحيوية للخلايا والمختلطة بالبروتينات، بالإضافة الى عضيات خلوية مشوهة، كما اختلطت مركبات البروتين ألفا-سينوكلين بالأغشية والعضيات أيضًا، لكنها لم تكن على شكل تكتلات كبيرة.

ومن ضمن كل تلك العينات التي جرى فحصها، وُجد الشكل التقليدي لأجسام ليوي في عينة واحدة فقط، في حين كانت هناك ثلاث عينات أخرى ملأى بالبروتينات الهيكلية الخيطية، مما يدفعنا إلى التساؤل عن السبب الذي جعل تلك النتائج مخالفةً لنتائج دراسات أخرى كانت تؤكد شيوع ما يُعرف بالبروتينات الخيطية ومركبات ألفا-سينوكلين في أجسام ليوي.

تقول أماندا لويس، من جامعة بازل السويسرية، وهي ضمن الباحثين في الدراسة: إن الاختلاف في النتائج جاء نتيجةً لاستخدام طرق أخرى لتجهيز العينات للفحص، وكذلك الأجهزة المتقدمة المستخدمة في الفحص ذاته، موضحةً أن معظم الدراسات السابقة لم تستخدم تقنية التثبيت الكيميائي للعينات بشكل كبير، بل اقتصرت على تثبيت البروتينات، كما استُخدم الغسيل بالكحول لتجفيف العينات وتثبيتها مع فحصها بالميكروسكوب الإلكتروني النافذ (TEM)، الذي يُعَد أحد أقوى أساليب التوصيف في علوم المواد.

ويُستخدم التثبيت الكيميائي للحفاظ على بنية الأنسجة والخلايا في صورة أقرب ما تكون إلى شكلها الطبيعي قبل فحصها بالميكروسكوب أو للاحتفاظ بها بشكل دائم، وهو ما يتيح رؤيةً أوضح للعينة تحت الميكروسكوب في حال لم يكن المطلوب فحص العينة وهي في حالة حركة.

"كان ذلك كفيلًا بإبقاء جزء كبير من نتائج هذه الدراسة مخفيًّا لوقت طويل"، كما أوضح هينينج شتالبرغ -من جامعة بازل السويسرية، وهو أحد الباحثين في الدراسة- مضيفًا أن بقايا الأغشية التي ظهرت في نتائج دراستهم هذه لم تكن لتظهر مع استخدام الكحول دون تثبيت الليبيدات؛ لأن الدهون أو الليبيدات المكونة لهذه الأغشية تذوب في الكحول، وهذا ما استطاعوا تجنُّبه عن طريق استخدام 7 خطوات من التثبيت الكيميائي للعينات قبل تعريضها للكحول وفحصها.

 ووفقًا لشتالبرغ، "فإن بقايا الأغشية الحيوية لا تظهر تحت الميكروسكوب الإلكتروني النافذ؛ إذ تبدو مثل الخلايا الطبيعية، ولا يمكن تمييزها من دون استخدام تقنيات كتلك المستخدَمة في دراستهم، إذ استخدموا تقنية CLEM التي تجمع بين مميزات الميكروسكوبين الضوئي والإلكتروني.

ففي البداية، استُخدم الميكروسكوب الضوئي لتحديد أماكن أجسام ليوي، المكونة من مركبات ألفا-سينوكلين، ثم جرى فحصها بالميكروسكوب الإلكتروني، وكان أغلب العينة من بقايا الأغشية الحيوية الملأى بالليبيدات، مع بعض الهياكل الخيطية التي لا يمكن تأكيد ما إذا كانت جميعها تمثل مركبات ألفا-سينوكلين. ثم جرى التأكيد على وجود الليبيدات عن طريق تقنية التصوير الطيفي للكتلة وكذلك التصوير الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، بالاضافة إلى تقنية (CARS)، وهي تقنية تصوير باستخدام أشعة الليزر، يمكنها تحديد التكوين الكيميائي للمواد بدقة عالية.

يصف سمير المشتولي -من قسم الفيزياء الحيوية، جامعة الرور، بوخوم، ألمانيا، وأحد باحثي الدراسة- تقنية (CARS) بأنها تقنية تصوير طيفي دقيقة، تُستخدم لتحديد التكوين الكيميائي للمواد والكشف عن المركبات الكيميائية الموجودة داخل الخلايا ورصد التغيرات التي تطرأ على الخلايا على المستوى الجزيئي، وتتميز بأن لها دورًا كبيرًا في مراقبة التطورات الخلوية في أثناء دراسة الأمراض العصبية التحلُّلية.

توضح "لويس": فقد تكون تلك البروتينات الليفية التي تم رصدها في دراسات سابقة مجرد بقايا لييفات عصبية أو أي بروتينات ليفية من مكونات الخلية الطبيعية، وليس بالضرورة أن تكون من مركبات ألفا-سينوكلين السامة المسببة لمرض باركنسون، وهذا ما يحتاج إلى المزيد من الأبحاث للتأكد منه. وصرحت لمجلة" للعلم" قائلة: "إن النتائج التي توصلنا إليها تفيد بأن الدراسات السابقة بالغت في تقدير أهمية مركبات ألفا-سينوكلين ودورها في تكوين المرض".

وهو ما أكده "المشتولي" في حديثه مع "للعلم" قائلًا: "لا بد من إعادة النظر في الفرضيات التي تعتمد على فكرة تكوين مركبات ألفا-سينوكلين كسبب لمرض باركنسون وفي آلية المرض بشكل عام". وأضاف: "لا بد من التركيز على التغيرات التركيبية والوظيفية التي تقترن بالمرض والاسترشاد بها في الأبحاث القادمة".

كانت الدراسات حول تكوين أجسام ليوي محل اهتمام العلماء والباحثين منذ سبعينيات القرن الماضي. فخلال فترة السبعينيات صدرت بعض الدراسات التي تصف جسيمات ليوي بأنها ترسُّبات من مركبات خيطية، وهو ما يختلف مع ما انتهت إليه نتائج تلك الدراسة الحديثة.

في عام 1998، أجرت ماريا سبيلانتيني، من جامعة كمبريدج، دراسةً أوضحت أن مركبات ألفا-سينوكلين هي المكوِّن الأساسي لأجسام ليوي التي تتجمع كبروتينات أميلويد ليفية، لكن لم يكن واضحًا كيف تتكون تلك الأجسام المؤدية إلى التحلل العصبي– تدهور تدريجي في بنية الخلايا العصبية يؤدي إلى موتها- وهي مشكلة تؤدي إلي العديد من أمراض الخرف الدماغي مثل باركنسون وألزهايمر؛ نتيجة موت الخلايا العصبية في المناطق الدماغية المسؤولة عن التفكير، والذاكرة، والحركة، مما يؤدي إلى مشكلات في الحركة (تسمى الاختلاج الحركي)، أو في الوظائف الذهنية (وتسمى الخرف).

نظرة جديدة

يتوقع باحثو الدراسة أن تنعكس نتائجها على الدراسات العلمية التي تستهدف البحث عن علاج فعال لداء باركنسون، فإذا كانت أدمغة المرضي المصابون بهذا الداء مكتظةً ببقايا الأغشية الحيوية، فإنه يتوجب علينا أن نعطيها اهتمامًا أكبر، بدلًا من محاولة إيجاد طرق لمنع تكوين مركبات ألفا-سينوكلين الليفية كعلاج للمرض، وفق "شتالبرغ".

 يشير "شتالبرغ" إلى أنه يتوجب على الباحثين التركيز أكثر على الأغشية الحيوية وتحركاتها بين الخلايا وعضياتها لنقل المواد، وكذلك التركيز على تحلل الأغشية والبروتينات، ووضع التفاعلات الخاصة بالليبيدات في الاعتبار، مع دراسة العلاقة بينها وبين مركبات ألفا-سينوكلين، كذلك وضع التفاعلات الأيضية الخاصة بالليبيدات في المعادلة.

مع هذه المدخلات الجديدة تنمو آمال كثيرة نحو إيجاد محاور مختلفة لدراسة داء باركنسون، ورُبما نجد طرقًا غير متوقعة لعلاجات جديدة. يختلف محمد سلامة -وهو باحث مصري من جامعة المنصورة- في الرأي مع رؤية "ستالبرغ"؛ إذ يرى أن نتائج الدراسة لن تؤثر على الأبحاث الخاصة بعلاج باركنسون في المستقبل القريب، نظرًا إلى محدودية العينات وعدم شمولها جميع أشكال المرض.

شارك "سلامة" -الأستاذ المساعد في كلية طب جامعة المنصورة، والزميل الباحث الزائر في معهد ترينيتي لعلوم الأعصاب، وفي كلية ترينيتي لعلم الشيخوخة الطبي في دبلن، أيرلندا، وله عدة أبحاث حول مرض باركنسون- تعليقاته حول نتائج الدراسة مع "للعلم"، إذ أكد أهمية نتائجها، ولكنه في الوقت ذاته شدد على وجوب فحص عدد أكبر من العينات للتحقق من صحة نتائجها قبل تعميمها، نظرًا إلى اختلاف أسباب مرض باركنسون وتعددها، وفق وصفه، قائلًا: إن الباركنسون يعتبر مرضًا متعدد الأشكال، تمتد أسبابه لتشمل عوامل وراثية أيضًا. وفي هذا الإطار، يُشدد سلامة على أهمية توافر بنوك للمخ؛ من أجل حفظ الأنسجة وتسهيل الدراسة عليها، وهي الطريقة الوحيدة للتوصل إلى نتائج دقيقة كما حدث في تلك الدراسة.

القراءة من المصدر

الاشتراك في الخدمة البريدية اليومية

اخر الاخبار في بريدك الالكتروني كل يوم

إقرأ أيضا